ما النقد؟ كه يلان محمد يجيب
في هذا الحوار الممتع مع الأستاذ الناقد كه يلان محمد سالار نتعرف على جانب مضيء من اهتماماته وممارساته النقدية التي تجعل من النقد "محاولة لقراءة كاشفة" و"عاملا لتحرير النصوص من ثيمات مستهلكة".
الأستاذ محمد مولع بالقراءة والفلسفة ويعتقد أن وظيفة هذه الأخيرة هي تحطيم الأوهام. يمتلك الناقد في رصيده الكثير من المقالات النقدية والمراجعات التي تناولت العديد من الروايات والمجموعات القصصية والكتب الفلسفية وصدر له حديثا كتاب بعنوان "كهف القاريء". ثمة وشغف نلمسه لديه من خلال أسلوبه النقدي المُميَّز الذي يلقى الضوء على التمفصلات الخفية للنصوص وعلى المدهش والجميل في عالمي الإبداع والفلسفة.
السؤال الأول: هل اهتمامك بالأدب هو اختيار شخصي أم نتيجة لِمسار حياتي مُسبَق هيّأك لتنساق خلف تيّاره الجارف؟
الجواب: طبعا لا ينكرُ دور البيئة على اختيارات المرء فنشأتي وسط أجواء تصدرت فيها الكتب المشهدَ من المؤثرات المهمة على تكوين الرغبة الأدبية صحيح أنَّ معظم المؤلفات التي تضمها مكتبة والدي من الصنف العرفاني والديني غير أنَّ الأدب لم يكن غائباً في هذا الفضاء، كذلك بالنسبة للفلسفة والعلم وهذه التشكيلة المتنوعة من العناوين تعتبرُ دافعاً للانفتاح على عالم تتجاور فيه آراءُ وأفكار مختلفة. وما يشدك أكثر نحو هذا المنحى المعرفي ليس وجود المكتبة ولا رص العناوين على رفوفها فحسب بل القصص التي تروى عن حيثيات معرفة واكتشاف كاتب وهي ما تُولد لديك الرغبة للسياحة الفكرية والسفر في أزمنة الآخرين. إذن فإنَّ ما يقوله "أليساندرو باريكو" بأن الإنسان قبل أن يكون شخصاً عبارة عن حكايات ينطبقُ على الكتب أيضاً، تخيلْ أنت أمام مكتبة ضخمة وليس لها حكاية ولا يسردُ لك أحد شيئاً عن محتوياتها ولا يقع النظر على عنوان قرأت عنه سابقاً إلّا ويستغرق الوقت قبل إذابة الجليد بينك وبينها. بالعودة إلى مضمون السؤال نعم فالأدب هو اختيار شخصي واهتمامي بهذا المجال يمكن وصفه بالانزياح الجزئي عن مسلك صاحب المكتبة أقصد الوالد فبينما كان الأخير مهتماً بالأدب العرفاني والدراسات الدينية فأنا انصرفت أكثر إلى قراءة الروايات ومن ثُمَّ ينضجُ الوعي إلى أن يتم الإدراك بضرورة متابعة الأدوات التي تحفر في طبقات النصوص الأدبية. إذن الوعي النقدي لاينشأُ إلا بعد مرحلة القراءة والإكتشاف للدروب المتشعبة.
السؤال الثاني: الملاحظ هو شغفك بالقراءة ويبدو ذلك من خلال تنوع مقالاتك النقدية التي تتناول فيها كتبا وروايات ومجموعات قصصية مختلفة. ما الذي تعنيه بالنسبة إليك القراءة وهل ترى فيها فِعلاً وجوديا؟
الجواب: القراءة هي اختيارُ، صحيح ربما واقع الحياة يلعبُ دوراً في الدروب التي تسلكها هذه الحقيقة، وقد لا تفسرُ كل الدوافع وراء الإهتمام بمجال دون غيره وهذا التنوع في القراءة هو رفض وثورة على التقييد المنهجي الذي يفصل بين الحقول المعرفية وبالتالي يفرغُ القراءة من المتعة لذا فإنَّ الانضواء تحت مظلة المناهج يؤدي إلى قطع الطريق أمام الاختراقات المعرفية ويجففُ منابع الإبداع لأنَّ الإطار يقتل شغف الانطلاقات الحرة في براح الحياة. ونحن بصدد الحديث عن فن الرواية حري بنا الإشارة إلى ميلان كونديرا بوصفه مدرسةً في الكتابة الإبداعية إذ تنفتحُ أعماله الروائية على المفاهيم الفلسفية والفن التشكيلي والموسيقى والتاريخ والعلم كل ذلك تضمه الرواية الكونديرية كما أن صاحب "الهوية" قد شرعَ أفقاً جديداً لتذوق النصوص السردية من خلال ما قدمه في كتبه "اللقاء" و"فن الرواية" و"الوصايا المغدورة" من مقاربة غير تقليدية للمؤلفات الإبداعية. كذلك الأمر بالنسبة للمفكر الأنكليزي كولن ويسلون الذي تتسعُ محتويات كتبه لشتى المعارف وتتوالى الإحالات الضمنية والمباشرة إلى مجالات مختلفة وبهذا يضفي بنية حوارية لمضامين منجزه الأدبي والمعرفي. بالنسبة لوصف القراءة بأنها فعل وجودي نعم يصحُ أن نعتبرها محاولة لتخيل أشكال حياة لم نختبرها وقد لا نعيشها في المستقبل وبحثاً للأسئلة التي قد نتهربُ منها داخل السياقات الأخرى. ولابدَّ من الاعتراف بأنَّ القراءة لن تكون بديلاً للحياة والتجارب، ولاتختمرُ الأفكار في صومعة المكتبات وردهة الأكاديميات بل الشرارة الذهنية لا تلتهب سوى في الهواء الطلق.
السؤال الثالث: مقالاتك تندرج ضمن النوع النقدي. ما الذي قادك إلى النقد الأدبي، هل هو التخصص العلمي أم ميول شخصية لها أهدافها ومراميها؟
الجواب: ربما الدهشة بالنصوص الإبداعية وبالمعمار الروائي وبالتنظيم الذي يتجسدُ في حركة الشخصيات وعلاقتها بالمكوّن الزماني والمكاني وبما يعني الحدث في تضاعف التشويق داخل البنية الروائية كانت محرضاً للارتياد نحو المعترك النقدي والمضي منقباً وراء السحر الكامن في طبقات النص والمضمر في خطابه. هنا من المناسب التذكير بأنَّ النقد ليس محاصرة للنص الإبداعي بترسانة من النظريات والمصطلحات بقدر ماهو بحث عن مفاتيح الأثر الإبداعي ومشاركة الآخر في عملية الأبعاد الجمالية للمنجز الأدبي. يرى المفكر السوري جورج طرابيشي :أنَّ كل رواية تعلمك كيفية دراستها ونقدها وباستطاعتك أساساً استحضار أفكار من ذهنك وتطبيقها. طبعاً هذا المسلك يؤسسُ للحوار مع مضامين النص بعيداً عن التقوَّل.
السؤال الرابع: يشمل النقد الأدبي اليوم نشاطين مستقلين نسبيا. فمن ناحية هو مراجعات الكتب في الجرائد والإذاعة والتلفزة وهو ما يسمى عادة "النقد الصحفي"، ومن ناحية ثانية هو المعرفة التي تحيط بالأدب والدراسات الأدبية والبحوث في مجال الأدب، ويسمى هنا "النقد الأكاديمي" أو "التعليمي". فأيّ نوع من هذين النقدين تمارسه ولماذا؟
الجواب: أتابع النقد بشقيه الأكاديمي وغير الأكاديمي وعلينا الإعتراف بأنَّ ليس كلُ ما ينشرُ موسوماً بعنوان الأكاديمية يضيفُ إلى الحقل النقدي ويعيدُ الحراك إلى الحلبة الإبداعية ويحددُ التحولات في المذاق الأدبي. كثيراً ما نتفاجأُ بالفجوة القائمة بين ما يوحي به العنوان العريض والدسم عن السردية والابداع الشعري وضحالة المحتوى بيد أن ذلك لا ينفي وجود محاولات جادة على الصعيد الأكاديمي ويمكن الإشارة إلى ما قدمته الأكاديمية التونسية ابتسام الوسلاتي في كتابها "الهامشية في الأدب التونسي" حيثُ أضاءت بحفرها المعرفي جوانب جديدة عن أدباء جماعة تحت السور وعلى ذات المنوال أنجزت كتابها الجديد عن بيرم التونسي كذلك الأمر بالنسبة للأكاديمي اللبناني "لطيف زيتوني" فقدم اضافات مهمة في مجال النقد الروائي. أحاول أن أستفيد من كل هذه التجارب ولا أعتبرُ بأن ما أقومُ به عملية نقدية بل هو محاولة لقراءة كاشفة قد أصيب وقد لا أصيب وفي كلتا الحالتين لا أنتظر أجراً.
السؤال الخامس: ما أهمية النقد الأدبي للأعمال الأدبية في رأيك وهل ينحصر النقد في الحكم على الأعمال الإبداعية أم له دور آخر؟
الجواب: لايطلقُ النقد الأحكام على النصوص وإذا وقع في هذا المطب يفقد مسوغاته إنما هو مناورة مع الأثر الإبداعي للإبانة عن خصوصيته ومايكون بمثابة الهوية في النصوص وسد الثغرات الموجودة في بنيانها.
السؤال السادس: الأدب وما يحتويه من أجناس أدبية هو حقل الإبداع والخيال والممكن. هو أيضا أرض المبدعين الخصبة التي يخلقون فيها عوالمهم الخاصة، وكل مغامرة إبداعية للكاتب هي مغامرة خَلْقٍ. وبذلك فالكتابة الأدبية هي عملية إنتاجية متواصلة تساهم في تأثيث العالَم الذي نعيش فيه بالخيال وبالفكر وهما عاملان أساسيان للتأثير في أفكار الناس ولِصناعة التغيير. ألا ترى أنّ وظيفة الناقد هنا ليست سوى وظيفة مِيتَالُغَوِيَّة باعتبار أنها لا تَخلق عملاً إبداعيا بل تكتفي بالحديث عنه؟
الجواب: بالطبع يسبقُ النشاط الإبداعي العملية النقدية، ما يعني أنَّ النقد هو نص لاحق وتتأسس مقولاتهُ على تشكيلة ليست من صنيعه لكن إنَّ كون النقد قائماً على نص آخر لايعني إمكانية إلغاء هذا النشاط لأنَّ النقد يتيحُ المجال للتعددية في القراءات ويحمي النص من وباء القراءة الأحادية. كما أنَّ اكتشاف الغائب في المعطى الإبداعي هو من أوّليات العملية النقدية. أكثر من ذلك فإنَّ النقد قد يكون عاملاً لتحرير النصوص الإبداعية من ثيمات مستهلكة وصياغات رتيبة كما أنَّ النقد يضاهي الإبداع في وظيفته التحريضية على التفكير وإذا كان النص الإبداعي يقيمُ لعبةً مع خيال المتلقي فإنَّ النقد لعبةُ موازية مع ما لم يكن ضمن فرضيات صاحب الأثر الأدبي.
السؤال السابع: من الواضح إعجابك الشديد بالفلسفة عموما وبالفلسفة اليونانية على وجه الخصوص والقارئ لمقالاتك يلاحظ مراجعتك النقدية لكتب تتناول شخصيات أو مفاهيم فلسفية. ما أهمية الفلسفة في الحياة اليومية للإنسان وهل تعتقد أنها قد تصبح زورق نجاته في عالم اليوم المتصدِّع والمُهدَّد بالنزاعات العرقية والدينية؟
الجواب: وظيفة الفلسفة هي تحطيم الأوهام التي تتغذى على الخوف والأمل أقصد الفلسفة كما فهمها روادُ الرواقيين والأبيقوريين. لقد شهد العالم خلال الغزوة الوبائية صحوة فلسفية وتوسل الجميع بهذا النشاط الذهني بحثاً عن المناعة العقلية وسعياً لإعادة الهدوء للنفوس المترنحة، وتنتظمُ السيرة الفلسفية على مبدأ التواصل دون الإلغاء بخلاف ما هو سائدُ في الحقل العلمي إذ لاتنشأُ النظرية الجديدة إلا على أنقاض ما سبقها. لا يركن الأثر الفلسفي إلى الرف لذا فمن الطبيعي العودة إلى الفلسفة اليونانية وهي بداية عظيمة ومن المعلوم أنَّ البدايات العظيمة تُستأْنف، تقوم الفلسفة اليومية على ثلاثة أقسام الطبيعة والأخلاق والمنطق، وبذلك تغطي كل الأنشطة السلوكية والعقلية وترسي قاعدة للفهم. لا تبشر الفلسفة بأنها تصلح ما أفسده غيرها، هذا ديدن الفلسفات المؤدلجة أما الفلسفة العملية تضع الإنسان أمام مصيره ولاشيء يفيده سوى المواظبة على تحسين نمط التفكير لأنه "كيفما تكون أفكارك المعتادة تكون طبيعة فكرك" وحياتك أيضاً. لا تؤمن الفلسفة الرواقية إلا بالإنسان الكوني وتناهض التصنيفات العرقية والطائفية، وفي الحقيقة أن الصراعات الدامية والمكلفة قد طبعت التاريخ البشري منذ الأزل وما يختلف هو المسميات ولا يُستبعد التذرع بالفلسفة باسم البشر كما يُقتل باسم الدين وباسم شعارات الديموقراطية وحقوق الإنسان، وما يخفف من حدة التوتر في هذه المعمعة الكونية هو البحث عن الحل الفردي وهذا ما تنشدهُ الفلسفة العملية وعلينا أن نقول مع أبيقور أن الفلسفة التي لا تهدىءُ قلق الروح تماما كما الطبيب الذي لا تنفع أدويته لتخفيف آلام الجسد.
السؤال الثامن: يقول الفيلسوف فريدريك نيتشه إن الفنان يمتلك القدرة على إيقاظ قوة القيام بالفِعل النائمة في أرواح أخرى. إلى أيّ مدى يمكن إسقاط ذلك على دور الكاتب إزاء أفراد مجتمعه؟ ومن خلال قراءاتك ومتابعاتك، مَن هم الكُتَّاب الذين رأيت أثرهم الإيجابي على مجتمعاتهم بفضل أعمالهم الإبداعية؟
الجواب: نعم يثق نيتشه بقوة الفن ويعتبره المبرر الوحيد للوجود كما أن الحياة لم تكن إلا خطأً حسب رأيه لولا وجود الموسيقى لكن هذا المستوى من التأثير قد لا ينسحب على نيتشه نفسه فمؤلفاته لم تلق رواجاً في عصره حتى وهو يقولُ بعد نشره "مولد التراجيديا" معلقاً على الصمت الذي استقبل به مؤلفه: "أشعر كأنني ارتكبتُ جريمة"، فاكتشاف قيمة نيتشه قد استغرق وقتاً إذ أدرك بأنَّ ولادته الحقيقية تكون بعد موته. فالكتب قد تحركُ المياه الراكدة ولكن تأثيرها لن يكون مباشراً وماغير خريطة المجتمعات إلا مغامرة المكتشفين والرحالة والإنسان بطبعه كائن يتأثر بما يخاطب عاطفته أكثر من تأثيره بما يكون موجهاً لأفكاره. صحيح أن مؤلفات فولتير وروسو كانت قاعدة فكرية للثورة الفرنسية لكن الكلام الذي ينسب إلى ماري أنطوانيت التي طالبت الجماهير بأكل البسكويت بدلاً من الخبز ربما قد أجج لهيب الثورة أكثر إلى أن انتهت بالإطاحة بزوجها. ولعلَّ ماركس من بين الفلاسفة هو أكثر تأثيراً بكتبه ومواقفه فالبيان الشيوعي لايزال يقرأُ لفهم عثرات النظام الرأسمالي. كما أنَّ تعليق مارتن لوثر أطروحاته على باب كنيسة ويتنبيرغ كان تدشيناً لمرحلة الإصلاح الديني وبداية لتحول في مفاهيم قارة حول العلاقة بين اللاهوت والدولة. أيا يكن الأمر فلابدَّ من وجود تواضع معرفي ولا يفيد التوهم بأنَّ ما يُسطَّر بين طيات الكتب يكون عاملاً وحيداً للتطور والتحول على الصعيد المجتمعي.