القصة القصيرة والتحولات الاجتماعية أية علاقة؟
تحت شعار القصة والتحولات الاجتماعية، نظم ملتقى "أحمد بوزفور الوطني للقصة القصيرة" بمدينة زاكورة المغربية، يوم 13 مايو/أيار الجاري، ندوة نقدية حول علاقة القصة القصيرة بالتغيرات التي تشهدها المجتمعات الإنسانية، وشارك في هذه الندوة عدد من النقاد المغاربة، وسيرها المترجم والروائي المغربي محمد ايت حنا.
اعتبر الناقد الدكتور قاسم مرغاطا، في مداخلته، بأن تاريخ القراءة القصصية هي أقوى التأثيرات على القصة القصيرة، معتبرا بأن الفن القصصي عمل كلمات وليس عمل مجتمع، فكرة فصلها قائلا "نفترض هنا أن الفن عموما والقصة على وجه الخصوص لا يتحققان بخضوعهما لما يؤثر في المبدع من وراثة ومناخ عام سياسي واجتماعي واقتصادي، يتحقق الفن الجميل كلما قرأنا نصوصا جديدة وكلما تذوقنا مذاقات فنية متنوعة من قارات فنية مختلفة ومتباينة وهذا يلغي البعد التوقيري للكلاسيكيين، وللكتب الخالدة، تلك الكتب التي نجد فيها جمالا على الدوام كما يوق خورخي لوي بورخيس، ويسمح كذلك بانسيابية الأشكال الفنية في مجايلات متعددة، ليس هناك جيل فني أرقى من الآخر أو أحط منه، كل جيل فني يصنع فرادته الجمالية داخل سيرورة الأثر الجمالي العام والخاص بالنوع الفني ذاته".
وأضاف "يتمثل الفن القصصي إذن في القراءة التي تكون متعددة الروافد والمنابع، ولا يتحقق الفن من خلال التفاعلات المباشرة بالتحولات الاجتماعية والمادية المباشرة.. يخضع الفن إذن إلى إنتاجية مختلفة، هي إنتاجية القراءة، وإنتاجية النوع الفني، ولا يخضع مباشرة لضوضاء التحولات الاجتماعية واضطراباتها المتنوعة".
ويخلص الناقد قاسم مرغاطا إلى أن موضوع القصة والمجتمع لا علاقة له بالبحث في التأثيرات المباشرة للتحولات الاجتماعية والتاريخية التي يخضع لها الأدب عامة، والقصة خاصة، بل له علاقة بالتشكل الجمالي للنوع الفني داخل مساحة النصوص القصصية التي تنتمي للنوع ذاته، متابعا أنه و"من هنا فإن موضوعنا يرتبط بتأملات في القراءة وجماليات القصص، وهذا يثبت أن مجتمع القصة الذي نتصوره هو مجتمع نصوصه الجميلة، المحلية والعالمية، الكلاسيكية والحديثة".
الناقد المغربي مصطفى جباري يرى في مداخلته بأن "كل عمل فني هو في علاقة متصلة بالتحولات الاجتماعية بغض النظر على هذه التحولات.. لكن هذه العلاقة هي موضوع ملتبس، لأن تاريخ الإبداع يجعل من "الواو" الرابطة بين القصة والتحولات "واو" توتر أكثر مما هي "واو" تبعية، "واو" توتر وتدافع، و"واو" علاقة غير طيبة في العمق، وإن كانت بديهية... علاقة غير مريحة تسري تحت العلاقة القدرية والبديهية بين كل كتابة وبين الطارئ والمتحول".
ويستشهد بمقولة للكاتبة النمساوية الفريدا يلينيك بمناسبة فوزها بجائزة نوبل وكخلاصة لعملها كروائية، قالت في خطابها "هذا الواقع، للأسف ليس لدي مشط قادر على تسريحه..."، مضيفا هناك إذن واقع أشعت لا مشط قادر على تسريحه.. وعلى هذا المجاز قد يكون هذا الواقع أقرع طافحا بالفراغ والخواء نتوهم تمشيطه فنمشط الخواء... فماذا يجني هؤلاء الواهمون حين يمشطون الواقع الأقرع أو الأشعث... الأجوبة كثيرة كأن يجددوا غريزة مرسوخة في هذا الجنس: اللعب بالكلمات، وهم البقاء "ب" و"في" كلمة واللائحة طويلة حسب الناقد مصطفى جباري، متابعا "أما الذين يرون الواقع سلسا ناعما، فهم لا يكتبون إنما يفرزون انعكاس باردا بالسلاسة والنعومة...".
المتدخل الثالث في هذه الندوة النقدية، كان الناقد عبدالرحمان التمارة، الذي تناول هذا الموضوع من زاوية العين الخفية لكاتب القصة القصيرة في مقاربته للتحولات الاجتماعية.
يقول في مداخلته التي عنونها بـ"القصة القصيرة: جدلية العلاقة بالتحوّل" "يرى كاتبُ القصّة القصيرة، لزوماً، ما لا يراه الآخرون. كأنّ مبدع القصة يمتلك "عينا" خفيّة، خارج أيّ نزوع ميتافيزيقي، يرى بها الوجود الاجتماعي في صيرورته، بما تحيلُ عليه مِنْ تحولات متعدّدة، وفي سيرورته، بما تشير إليه من أسباب مختلفة محدِّدَة لتلك التحولات"، مضيفا تحت عنوان "القصة القصيرة: البناء الجمالي للتحوّل"، مؤكدا بأن "ربط هذا القول بالقصة يبرزُ أنَّها تعبيرٌ إبداعيٌّ فنّيٌّ يشيّدُ عوالم إنسانية متنوِّعة وِفْقَ منطلقات فكرية جمالية؛ منها: "جمالية الإخفاء" أولاً، و"جمالية الامتداد" ثانياً. لهذا، فإنّ جمالية الإخفاء تكشف "حقيقة" القصة الفنيّة، لأنها تشتغل بعمق فكري جمالي على قضايا مختلفة، مما يبعدها عن الفهم التبسيطي لـ"تصوير" الحياة الإنسانية ضمن سيرورة متحوّلة على اعتبار أن تنوّع العناصر البانية للمتخيّل القصصي تكشفُ "تصوّرا" للواقع الإنساني، وليس تصويراً لهُ. لهذا، فإنّ التحوّل الاجتماعي، المرتبط بوجود إنساني ممتدّ في المكان والزمن، يتبدىّ خفياً، وليس مكشوفاً وظاهراً...".
يُسعفُ التمثيل في كشفِ هذه الفكرة، انطلاقاً من نصّين في المجموعة القصصية "إنّي رأيتُكما معاً"، للقاص المغربي أحمد بوزفور، كما تبرزه قصة "تاريخ الحب"، أولى قصص "إنّي رأيتُكما معاً"، وقصة "الحب والقنفذ".
وتعتبر هذه الندوة النقدية جزءا من البرمجة الثقافية والشق النقدي للدورة 19 لملتقى أحمد بوزفور الوطني للقصة القصيرة والذي احتفى هذه السنة بالقاصة المغربية لطيفة باقا ومنجزها السردي.