صحفي لا يُزعج، صحفي لا يغير: عن خيانة المهنة باسم الحياد
لم يعد يكفي أن نُجمّل صورة الصحافة بعبارات البطولة والشرف، فالواقع أكثر مرارة من كل الشعارات، فلقد سُلبت حرية الإعلام، وتحوّل كثير من الصحفيين إلى شهود زور أو خُدّام للسلطة أو رأس المال، حتى بات شرف المهنة مرهونًا بشيء واحد، وهو الدفاع عن الإنسان، وكشف أعطاب المجتمع. فالصحافة التي لا تزعج، لا تغيّر، والتي لا تنحاز للحق، لا تستحق الاحترام، هذه الحقيقة الصادمة كثيرًا ما يرفضها الصحفي نفسه، إما خوفًا أو طمعًا أو خضوعًا، غير مدرك أن فقدان الوظيفة لا يُخيف، بل فقدان الكرامة هو ما يقتل المهنة من جذورها.
وتكشف العديد من الدراسات وكتب الفكر الإعلامي أن الإعلام الرسمي يفشل حين يتخلى عن رسالته الإنسانية.
ويرى جون ستيوارت ميل في كتابه عن الحرية أن حرية التعبير لا تُضمن إلا حين تُتاح لكل رأي فرصة الظهور، حتى لو كان مخالفًا للسلطة، وهذا ما لا يحدث في الإعلام الحكومي، الذي يفرض وصايته على المتلقي، ويمنع تنوع الرؤى. فحين تصادر الصحافة حق المواطن في المعلومة الحرة، تتحول إلى أداة تزوير للوعي، وليس أداة تنوير كما تدعي.
ويفقد الإعلام جوهره حين ينفصل عن قضايا الناس، إذ ينبّه والتر ليبمان جفي كتابه الرأي العام إلى أن الإعلام الذي لا يصغي لهموم الناس يُنتج رأيًا عامًا زائفًا، ويكرّس الأوهام بدل الحقائق، فيصبح الإعلام أداة في يد السلطة لإنتاج مواطن خاضع لا مواطن حر، فالصحفي في هذه الحالة لا ينقل الحقيقة كما هي، وإنما يشارك في طمسها علنا.
وتُهدر الصحافة شرفها حين تتجاهل الألم الإنساني، إذ تشير الباحثة مارثا نوسباوم في كتابها العدالة والشعور إلى أن دور الإعلام لا يقتصر على المعلومة، وانما على إثارة التعاطف مع ضحايا الظلم والبؤس، فالصحفي الشريف هو من يُسائل السلطة عن مسؤولياتها تجاه المهمّشين، لا من يغطي على فشلها، وعندما تتخلى الصحافة عن وظيفتها الأخلاقية، تصبح مجرد أداة تزيين في يد من يملك السلطة أو المال.
وتُخادع الصحافة نفسها حين تبرر الخضوع باسم الموضوعية، بينما حذّر المفكر نعوم تشومسكي في كتبه الإعلامية من وهم الحياد في الإعلام الخاضع، فالحياد الظاهري في تغطية الظلم هو تواطؤ، والإعلام الذي يساوي بين الجلاد والضحية، ويخشى تسمية الأشياء بأسمائها، لا يمارس الحياد، وإنما يمارس الإخفاء. الصحفي الذي يطلب الرضا من الجميع، يفقد احترامه من الجميع.
وتفشل الصحافة في أن تكون مرآة المجتمع حين تراقب من فوق لا من الداخل، ويلفت بيير بورديو في كتابه عن التلفزيون إلى أن الإعلام الرسمي أو التابع، حين ينشغل برضا السلطة ونجومية الوجوه المتكررة، يعزل نفسه عن المجتمع الحقيقي. فالأحياء الشعبية، والمشاكل البنيوية، والصراخ الصامت للفئات المهمشة، لا مكان لها في نشرات الواجهة، وبهذا تفقد الصحافة وظيفتها التاريخية في تفكيك الأعطاب لا تجميلها.
إن الصحافة الحقيقية اليوم ليست تلك التي تواكب الأخبار الرسمية وتكرّرها، فهي بكل بساطة تلك التي تنحاز للإنسان، تصرخ لأجله، وتكشف الأعطاب البنيوية للمجتمع. وحده الصحفي الذي يرفض تزييف الواقع، ويصر على نقل الحقيقة رغم الضغوط ويستقصي، يستحق لقب الصحفي، فالصحافة لا تُشرف إلا إذا كانت ضميرًا للناس، لا سيفًا في يد الحكام وتطبيلا لسياسة الفساد بإسم التقدم والنجاح المزيف.