لاريجاني في بغداد لترتيب أوراق "محور المقاومة" وإعادة ضبط النفوذ الإيراني

العراق وإيران يوقعان مذكرة تفاهم أمنية، بينما يناقش لاريجاني الملف السياسي في بغداد والعلاقات التجارية في لبنان، بعد قرار نزع سلاح حزب الله.

بغداد - تتصدر الدبلوماسية الإيرانية المشهد الإقليمي مع بدء أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، جولة إقليمية مهمة تشمل العراق ولبنان، وذلك في أول زيارة خارجية له منذ توليه منصبه.

وبينما أُعلنت الزيارة رسميا لتوقيع اتفاقية أمنية مع بغداد وبحث الأوضاع في بيروت، فإنها تحمل في طياتها أبعادا سياسية أعمق، حيث تسعى طهران إلى إعادة ضبط نفوذها في المنطقة في ظل تحديات داخلية وإقليمية متزايدة، وتأتي هذه التحركات في وقت حساس للغاية بالنسبة لإيران، التي تواجه ضغوطا لتثبيت نفوذ حلفائها بعد ما يُنظر إليه على أنه تراجع في قوتها الإقليمية مؤخراً.

ووصل لاريجاني إلى بغداد في مهمة متعددة الأوجه، أبرزها توقيع مذكرة تفاهم أمنية مشتركة مع العراق، تتعلق بتنسيق الحدود.

وذكر بيان للحكومة العراقية أن رئيس الحكومة محمد شياع السوداني رعى توقيع مذكرة تفاهم أمنية مشتركة بين مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي والأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني تتعلق بالتنسيق الأمني للحدود المشتركة بين البلدين.

وأكد السوداني خلال اجتماعه مع المسؤول الإيراني على سعي العراق الحثيث إلى تطوير العلاقات مع طهران، وتعزيز الشراكات المثمرة في مختلف الصعد والمجالات، وبما يصب في مصلحة الشعبين العراقي والإيراني.

كما جدد موقف العراق المبدئي والثابت إزاء رفض العدوان الصهيوني على إيران، وكل ما يؤدي إلى تصعيد الصراعات على المستوى الإقليمي والدولي، وتأييد العراق للحوار الأمريكي الإيراني.

من جانبه أكد لاريجاني حرص بلاده على تنمية العلاقات في مختلف المجالات، وخاصة الربط السككي بين البلدين لنقل المسافرين، والربط مع طريق التنمية والممرات الكبرى التي تشهدها المنطقة.

إلا أن الزيارة تحمل أبعادا أعمق من مجرد التعاون الأمني الرسمي، فقد أكد مصدر مطلع على الأمر لوكالة شفق نيوز، أن "لملمة ما يعرف بمحور المقاومة في المنطقة واعادة ترتيب اوراقه الى جانب الدور السياسي للعراق في تهدئة الأوضاع بالمنطقة خلال المرحلة المقبلة، من أهم الملفات التي حملها معه لاريجاني الى بغداد".

وأضاف أن "مهمة لاريجاني الجديدة تتطلب إعادة ترتيب الأوراق، لا سيما بعدما تضعضعت قيادة المحور في المنطقة، الى جانب توظيف الادوات واعادة خطة توزيع المهام بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق ضمن جدول انسحابها المتفق عليها، وإيجاد صيغة رسمية وبروتوكولية لذلك".

وأشار المصدر الى ان "لاريجاني سيناقش كذلك في لقاءاته مع المسؤولين العراقيين، الملف السياسي وتشكيل الحكومة سريعا وبما يحقق الاستقرار الداخلي والمنطقة، الى جانب اهمية تحقيق التوازن في العملية السياسية لأن الظرف الدولي يتطلب ذلك".

واستبعد المصدر، أن يلتقي لاريجاني بالمرجع الأعلى للشيعة في البلاد علي السيستاني بالنجف، فيما أكد أن "التفاهمات الدولية تفرض واقعا جديدا في المنطقة انطلاقا من قاعدة تأسيس الشرق الاوسط الجديد".

كما تحمل الزيارة أبعادا تتعلق بإدارة التوترات الإقليمية، ففي العراق، حيث تشهد البلاد تصعيدا غير مسبوق بين السوداني، والفصائل المنضوية تحت الإطار التنسيقي، وتحديدا كتائب حزب الله.

أما في لبنان، فسيواجه لاريجاني تحديا كبيرا بعد قرار الحكومة الأسبوع الماضي بتجريد حزب الله من سلاحه، وهو ما يمثل نقطة خلاف رئيسية بين طهران وحلفائها.

وتأتي زيارة لاريجاني، وهو السياسي الإيراني المخضرم المعروف بمواقفه المعتدلة في العلاقات الدولية، بعد تعيينه الأسبوع الماضي أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وهو منصب سبق له أن تولاه في حقبات ماضية.

وجاء تعيينه خلفا لعلي أكبر أحمديان عقب حرب الاثني عشر يوما بين الجمهورية الإسلامية وإسرائيل التي وقعت في يونيو وتخللتها ضربات أميركية على مواقع نووية إيرانية.

وتعكس الزيارة، وفق مراقبين، رغبة طهران وبغداد في تطوير شراكتهما الأمنية وتنسيق جهودهما حيال الملفات الإقليمية الساخنة.

وتتزامن زيارة لاريجاني مع تصريحات وزير المالية الأسبق، القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني، هوشيار زيباري، ليل الأحد عبر قناة السومرية، حول امتلاك إقليم كردستان معلومات تخصّ مستهدفي المنشآت النفطية، وبـ"الأسماء"، إلا أنهم ينتظرون نتائج التحقيقات في بغداد.

وأشار زيباري إلى أن "ارتدادات حرب الـ12 يوم لم تنته، وما يحصل دوليا وإقليميا يسحبنا إلى قراءات نحو انفجار مواجهات في شهر سبتمبر المقبل، وربما تتأثر الانتخابات العراقية به".

وبعد مغادرة بغداد، يواجه لاريجاني في محطته الثانية ببيروت مهمة لا تقل تعقيدا وحساسية، خاصةً في ظل التطورات الأخيرة المتعلقة بقرار الحكومة نزع سلاح حزب الله.

وتأتي زيارة لاريجاني إلى بيروت في لحظة حاسمة، حيث تتصادم سيادة الدولة اللبنانية مع نفوذ حزب الله، الحليف الأبرز لطهران، ليجد نفسه في مواجهة مهمة دقيقة تهدف إلى إدارة هذا الخلاف دون المساس بعلاقات طهران مع الحكومة أو بحليفها الأساسي.

ولم يصدر لاريجاني موقفا صريحا من القرار اللبناني، بل لجأ إلى لغة دبلوماسية تركز على الثوابت الإيرانية في لبنان، فقد قال قبل مغادرته طهران "تعاوننا مع الحكومة اللبنانية مديد وعميق. نتشاور بمختلف القضايا الإقليمية. في هذا السياق المحدد، نتواصل مع المسؤولين اللبنانيين والشخصيات المؤثرة في لبنان"، في إشارة إلى قادة حزب الله.

وتابع "مواقفنا في لبنان معروفة منذ زمن، فنحن نرى أن الوحدة الوطنية في لبنان أمر بالغ الأهمية يجب الحفاظ عليه في جميع الظروف، كما أن سيادة واستقلال لبنان كان دائما محل اهتمامنا، وتعزيز العلاقات التجارية بين البلدين من القضايا المهمة الأخرى التي نوليها اهتماما".

وتأتي زيارة لاريجاني الى لبنان بعد سلسلة مواقف أصدرها مسؤولون إيرانيون في الآونة الأخيرة، بشأن قرار الحكومة اللبنانية تجريد حزب الله من سلاحه.

فقد أكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن طهران تدعم أي قرار يتخذه حزب الله. وقال في مقابلة متلفزة "أي قرار في هذا الشأن سيعود في نهاية المطاف إلى حزب الله"، مضيفا "نحن ندعمه عن بعد، لكننا لا نتدخل في قراراته".

أما علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي، فشدد على أن طهران "تعارض بالتأكيد نزع سلاح حزب الله، لأنها ساعدت على الدوام الشعب اللبناني والمقاومة، وما زالت تفعل ذلك".

وأثارت تصريحات ولايتي ردا من وزارة الخارجية اللبنانية التي اعتبرتها "تدخلا سافرا وغير مقبول في الشؤون الداخلية"، مؤكدة أنها "لن تسمح لأي طرف خارجي، صديقا كان أم عدوا، بأن يتحدث باسم شعبها أو أن يدّعي حق الوصاية على قراراتها السيادية".

وكانت الحكومة اللبنانية كلّفت الجيش الأسبوع الماضي وضع خطة تطبيقية لنزع سلاح حزب الله قبل نهاية العام الحالي، في خطوة أتت على وقع ضغوط أميركية ومخاوف من أن تنفّذ إسرائيل حملة عسكرية واسعة جديدة، بعد أشهر من نزاع مدمّر بينها وبين الحزب، تلقى خلاله الأخير ضربات قاسية على صعيد البنية العسكرية والقيادية.

ورفض الحزب القرار مؤكدا أنه سيتعامل معه "وكأنه غير موجود"، واتهم الحكومة بارتكاب "خطيئة كبرى".

وأدت الجمهورية الإسلامية دورا رئيسيا في تأسيس الحزب، وقدمت له على مدى العقود المنصرمة دعما كبيرا في مجالات عدة. وشكّل الحزب أبرز أركان "محور المقاومة" الذي تقوده طهران ويضم حلفاء لها مناهضين لإسرائيل.

إلى ذلك، أشار المتحدث باسم الخارجية الإيرانية اسماعيل بقائي الى أن جولة لاريجاني "تهدف الى المساهمة في الحفاظ على السلام في الشرق الأوسط".