عبدالرزاق السومري ينتصر للهامش والمهمّش في 'ورقات من تباريح الأيام'
في رواية عبدالرزاق السومري "ورقات من تباريح الأيّام" (1) يحتفي السرد بالهامش والمهمّش ويمنحهما فضاء تعلو فيه أصوات المهمّشين وتنفضح آليات الإقصاء. ترصد الرواية الهامش الاجتماعي والثقافي والسياسي دون أن تغفل الهامش في الخطاب الروائي وكأنها تنتصر للهامشي في كل أبعاده، فحين تتكاثف آليات الإقصاء والعزل الاجتماعي ويغيب الاعتبار والقيمة، حين يعيش الإنسان المنفى في وطنه وخارجه، وتلفظه الأنساق الاجتماعية والثقافية والسياسية، لا يمكن أن نشهد غير ذلك الكائن المهمّش الذي نفاه المركز وغيّبه النسيان ..
تدعونا الرواية منذ البداية إلى الحذر والشك .. أو هي ترمي بالقارئ في أتون الحيرة لا تتبدد حتى نهاية الفصل الأخير، إذ يتنصل المؤلف منذ البداية من ادعاء يميل إليه جل الروائيين بتنبيه القارئ إلى عدم مطابقة أحداث رواياتهم للواقع، ليوهمنا السومري بالعكس، واصفا هذا الادعاء بالمكر والفخ المنصوب للقارئ ..
يعمد الكاتب إلى تأكيد هذا الاحتمال أو الفرضية عبر شخصية سليم العسكري وقد تسلم مخطوطا بعنوان "ورقات من تباريح الأيام" واعتزم نشره، منكرا أن يكون مؤلفه.. وعبر ساردين، أحدهما عليم يحفر في ماضي شخصية إبراهيم وحاضره، وثانيهما إبراهيم نفسه يكتب مذكراته أو تباريح أيامه في وطنه ثم في منفاه، ينكشف الهامش والمهمّش في مختلف أبعاده.
الهامش الجغرافي:
يتشكل المكان في رواية عبدالرزاق السومري عبر فضاءين هما الوطن والمنفى. في الوطن تستأثر القرية التي نشأ فيها إبراهيم بالوصف واحتضان الوقائع، يستحضرها في مذكراته وأوراقه جزءا من ذاكرته وذاكرة عائلته، ويعود إليها السارد العليم مع شخصيتي سليم وسوزان وهما يبحثان في قرية عين سعيدة عن ماضي إبراهيم. القرية جزء من الشمال الغربي التونسي أو من الهامش الجغرافي المنسيّ في الوطن. وتدعم الزيارة التي قام بها سليم مع سوزان إلى قرية عين سعيدة وطبرقة ثم جزيرة جالطة انحياز الكتابة للهامش والمهمّش في المكان وإحياء لذاكرة أخرسها المركز، عبر جماليات المكان واستدعاء أسماء أعلام ارتبط تاريخها بالمكان (الزعيم المعتقل الحبيب بورقيبة والمغني الفرنسي الذي رافقه).
ورغم هروب إبراهيم من خيبات الوطن إلى باريس الحلم والملاذ، ورغم تعرفه إلى أقطاب الفن فيها، فقد انكشف الوجه الآخر للمكان، ها هي باريس "تنزع مساحيقها ليلا وتتعرى، ها هي قاسية باردة وحيادية.. يمكن أن تموت غريبا مشردا ولا أحد يراك أو يهتم لأمرك" ص139. يمتدّ التهميش إلى بلد المنفى / باريس ليعيش إبراهيم فيها ليالي التشرد، ويشترك مع عدد من اللائذين بها في نفس الوضع. جل الشخصيات تنتمي إلى هذه الفئة، صديقه بيدرو أيضا "واحد من القاع الإنساني الذين تحجبهم الأضواء"، هو أيضا جاءها من إسبانيا حاملا معه دبلوم أكاديمية الفنون بعد خيبات عاطفية فإذا هو في عراء باريس يعيش بأجر البطالة ويتسوّل برسومه وينام ليلا في أنفاق المترو مع المتشردين والمطاردين أمنيا والمنبوذين واللاجئين. في باريس القاع أو باريس الأنفاق يموت الفنانون دون أن يودعهم أحد .. حتى لو كانت وضعيتهم الاجتماعية أفضل خاصة حين تكون مواقفهم مناهضة للنظام السياسي. (الأستاذ الجامعي الفنان بوردان). لذا يكاد يقتصر الفضاء في جغرافية باريس على الأحياء المنبوذة والشعبية التي يقطنها المهاجرون.
الهامش السياسي:
يحتفي السرد بالهامش السياسي في الوطن وخارجه ويستعيد معه جدلية الأنا والآخر فاضحا آليات الاستبعاد والاستعباد، إذ تبدو باريس ظاهريا ملاذا لكل الهاربين من أوطانهم وللمحبطين والقادة المعارضين "المقهورين العرب الذين عاشوا الصمت القسري في بلدانهم". لكن القاع الذي عايشه إبراهيم يعلن عن باريس أخرى "باردة وقبيحة ولا مكان فيها إلا للمصلحة والمال" حيث تغدو الشعارات الجميلة الحرية والعدالة والمساواة "كذبة معطرة". يكشف السرد الوجه القبيح للآخر المستعمر للفضاء وقد "شهد مذبحة نهر السين التي أعدم فيها عشرات الجزائريين وألقيت جثثهم في الماء". وأقام المستعمر متحفا لجماجم المقاومين الجزائريين سمّي متحف "الإنسان". وقد طال التهميش حتى الشخصيات العلمية والفنية (بوردان) لمواقفها السياسية المناهضة للرأسمالية بعد فضحها ممارسات السلطة المتوحشة.
ويجلو السرد بعض ملامح الواقع السياسي في الوطن (تونس) من خلال أحداث يحتضنها الهامش الجغرافي (قرية إبراهيم)، حيث يُستغل جهل الجمهور لدعم نفوذ الحزب الحاكم وللتصفيق والهتاف بحياة الزعيم، ويتحول الخطاب السياسي عند بعض المتسلقين والانتهازيين مادة للتندر ص212. وقد يعمد السرد إلى فضح راهن الكتابة السياسي وآليات التهميش ولو بتعديل بعض الأحداث تاريخيا وبتجاوزالظرف الذي تقع فيه الأحداث (بداية الثمانينيات). من ذلك الإشارة إلى فشل مناظرة الكاباس لانتداب المدرسين في استيعاب العاطلين عن العمل (المناظرة لم تنطلق فعلا إلا في نهاية التسعينيات) والتعريض بالفساد السياسي الذي عرفته تونس في فترة لاحقة "السيستام المسنود بالمافيا واللصوص أقوى منك، أنت ذبابة، بل حشرة ضعيفة يمكن أن يرحيها السيستام ويرمونك كالنفاية ولن يبكيك أحد".
الهامش والمهمّش اجتماعيا:
تمثل شخصية إبراهيم في رواية عبدالرزاق السومري نموذج الإنسان المهمش اجتماعيا. إبراهيم خريج مدرسة الفنون الجميلة، لم تشفع له دراسته الفنون التشكيلية وشهادته الجامعية في توفير مصدر رزق يقيه الفقر والقبح المنتشر حوله. ويتحول الفنان بعد هدم السلطات كشكه المتواضع إلى "خطاط" يكتب شواهد القبور، بل إلى "إبراهيم الدهان" كما تناديه نساء القرية، حتى أن عبارة "سي إبراهيم" تصبح عملة نادرة: "أول مرة تناديه امرأة سي إبراهيم بشيء من الاحترام والتوقير" ص27
يفضح السرد آليات الإقصاء والعزل الاجتماعي تحت ستار قوانين مجحفة يستغلها المتنفذون في "زمن التسبيح لرأس المال وزمن الحيتان الكبيرة". فيهدم كشك إبراهيم بذريعة الإساءة إلى منظر النزل المجاورة للكرنيش والإساءة إلى جمالية المكان. ويتحمل النظام التعليمي جزءا هاما من مسؤولية التهميش الاجتماعي إضافة إلى النظام السياسي (طرد إبراهيم من المعهد لمشاركته في احتجاجات التلاميذ). ولم تكن الهجرة إلى المنفى سوى بحثا عن قشّة نجاة في دنيا أخرى وهروبا من "وطن طارد لبنيه".
كما يعمل النسق الثقافي المهيمن على عزل المختلف ورفض كل جديد حتى لو كان الهدف إصلاح الأوضاع عموما، فعند عودة إبراهيم إلى القرية بعد عشرين سنة من الغربة سيرفض أهل القرية مشاريع إبراهيم وأحلام تغيير الواقع ولو ببناء روضة للأطفال، خوفا من "تعليم الصغار الرقص والخلاعة بدلا من حفظ القرآن" ص316.
الهامش في الخطاب الروائي:
يمثل الميتا سرد في الرواية نوعا من الوعي الذاتي بالكتابة، فيه ظهور صريح للمؤلف الحقيقي في نصه أو متوحدا مع الراوي أو أحد الشخصيات، فهو يتدخل ليثير قضايا الكتابة والقراءة ويضعهما موضع نقاش. (2) وهو أيضا "نص واصف" وضرب من "الانزياحات السردية التي يقدم لنا المؤلف خلالها تعليقا على النص الذي هو بصدد كتابته، أو تأملا ذا طابع أدبي أو شخصي" (3)
ويبدو أن الروائي عبدالرزاق السومري، وهو الذي اختار الانحياز للهامش وللمهمش، لم يكتف برسم أوجاع المهمشين اجتماعيا وثقافيا وجغرافيا وسياسيا وفضح آليات الإقصاء والعزل، بل منحهم صوتا سرديا في الخطاب الروائي عبر تقنية الميتا سرد أو النص الواصف، فكانت "مذكرات" إبراهيم صوتا موازيا لصوت السارد العليم وتنويعا جزئيا في مستوى الأصوات. يحتل الميتا سرد موقعا هاما في "ورقات من تباريح الأيام" إذ تنفتح عليه الرواية وتنتهي به. مداره في البداية خطاب مباشر للقارئ ومحاولة لكسر توقعاته حول واقعية الأحداث "عليك أن تعلم أيها القارئ الفطن ..." إثره يروي السارد توجه سليم العسكري إلى دار نشر لطبع مخطوط منكرا أن يكون صاحبه "أريد أن أصارحك أن المخطوط ليس لي، وأنا لم أكن روائيا أبدا" ص11.
لعبة "المخطوط" ليست جديدة وقد توالى على توظيفها عديد الروائيين في الرواية ما بعد الحداثية مع تنويعات شتى وغايات مختلفة.. يصرّح سليم في حواره مع الناشرة بتصّرفه الجزئي في النص الأصليّ .. هل هي حيلة سردية لشدّ القارئ ودفعه إلى تصديق الوقائع، والحفر في مقاصد الكاتب عبر فخاخ تجعل القارئ طرفا في اللعبة السردية؟ أم هو تنصل الكاتب ظاهريا من مسؤولية الكتابة وتهرّب من عالم أنشأه؟
لقد منح السومري الشخصيات التخييلية سلطة إضافية بمنازعتهم المؤلف سلطة الكتابة، (إبراهيم) حتى لا تبقى الشخصية على هامش العملية الإبداعية، وكأنه يروم بذلك خلخلة فكرة المركز وتأكيد الصراع بينه والهامش، ليكون الميتا سرد شكلا من أشكال مقاومة الإقصاء والنسيان. لقد نزعت الكتابة الروائية في "ورقات من تباريح الأيام" وعبر تقنية النص الواصف (الميتاسرد) إلى محاورة الكتابة النقدية وإلى خلط الأدوار بين الكاتب والناقد، وهو ما يتأكد في نهاية الرواية في حوار الشخصيات حول التخييل الروائي "إبراهيم يبقى خيالا روائيا، كائنا ورقيا لا يستطيع أن يغادر دفة الورق، وحتى الشخصيات الأخرى، قد تبدو للقارئ متماهية مع أسماء معروفة، لكنها مجرد حبر تتراقص على أديم الورق.."
بل يصوغ الكاتب عبر صوت سليم رؤية نقدية واضحة، تتحدّد بها قيمة العمل الروائي وذلك انطلاقا من أثره في المتلقي "المهمّ في اعتقادي أن تبقى تلك الشخصية تعيش معنا بعد انتهاء الحكاية، أن ترافقنا في أيامنا وأحلامنا وأن يعمل الكاتب على إطالة حياتها فينا" .. هل كان هو الحال مع "ورقات من تباريح الأيام"؟ أي مواصفات ينبغي أن تتوفر في بناء الشخصية حتى تتجاوز النص إلى قلب المتلقي وعقله وذاكرته؟ قد يكون القارئ هو المدعوّ إلى ملء الفجوات وتقديم الإجابات ..
تنزع رواية "ورقات من تباريح الأيام" عموما إلى مساءلة الواقع وإعادة تشكيله تخييلا، متمردة على القوالب الجاهزة متجاوزة السرد الخطي والتتابع في الأحداث، كما تسعى إلى استنفار انتباه المتلقي عبر الخطاب الهامشي حيث تغدو "الهوامش فضاء لتدخلات المؤلف وتعليقاته على النص وفضاء لمناقشة حقول معرفية أخرى ليست من أديم النص ومادته" (4) وقد بدت الكتابة فيها منحازة للمهمشين وللهامش فاضحة آليات التهميش والإقصاء والعزل. لكن هل يكون هذا الانحياز إلى الجماعات المهمشة فرصة لمنحها "صوتا مقلقا وأن يجعل من خطابها الضعيف سلطة ضدّية تضغط على الوحدة السعيدة للمركز المطمئن" كما ترى هويدا صالح؟(5) إلى أيّ حدّ يمكن أن تكون الكتابة الروائية فعل مقاومة للتهميش في كل تمثلاته؟
الإحالات والهوامش:
1. عبدالرزاق السومري: ورقات من تباريح الأيام، دار يس للنشر، ط1، 2025
2. محمد حمد: الميتاقص في الرواية العربية، مرايا السرد النرجسي، مجمّع القاسمي للغة العربية، باقة الغربية.ط1، 2011، ص 62
3. إيف ستالوني: معجم الرواية، ترجمة محمد آيت ميهوب، كلمة، أبوظبي، ط1، 2024
4. هويدا صالح: الهامش الاجتماعي في الأدب قراءة سوسيو ثقافية، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2015، ص25
م.س. ص222

