رفض عربي وإسلامي واسع لخطة إسرائيل الكبرى ما بعد غزة
الرياض - أدان وزراء خارجية 31 دولة عربية وإسلامية، إلى جانب الأمناء العامين لثلاث منظمات إقليمية، بشدة تصريحات رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو بشأن ما يسمى "إسرائيل الكبرى"، معتبرين أنها تمثل استهانة بالقانون الدولي وتهديدا مباشرا للأمن القومي العربي والسلم الإقليمي والدولي.
وجاء هذا الموقف الموحد في بيان مشترك الجمعة، صادر عن وزراء خارجية 21 دولة عربية هي: فلسطين، والمغرب، ومصر، والسعودية، والجزائر، وموريتانيا، والأردن، وقطر، والإمارات، وسلطنة عمان، والكويت، والبحرين، وسوريا، واليمن، والعراق، ولبنان، والسودان، وليبيا، والصومال، وجزر القمر، وجيبوتي، بالإضافة إلى تركيا، وإندونيسيا، وباكستان، وبنغلاديش، ونيجيريا، والسنغال، وسيراليون، وتشاد، وغامبيا، والمالديف.
هذا إلى جانب الأمناء العامين لجامعة الدول العربية أحمد أبوالغيط، ومنظمة التعاون الإسلامي حسين إبراهيم طه، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم البديوي، مما يعكس إجماعا واسعا على خطورة هذه التصريحات.
يعكس هذا البيان الموحد إصرار الدول العربية والإسلامية على رفض سياسات القوة الإسرائيلية، وتأكيد تمسكها بالشرعية الدولية، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
والثلاثاء الماضي، قال نتنياهو في مقابلة مع قناة "إي24 نيوز" العبرية، إنه "مرتبط بشدة برؤية إسرائيل الكبرى"، ردا على سؤال عن شعوره بأنه في "مهمة نيابة عن الشعب اليهودي".
ويؤشر مصطلح "إسرائيل الكبرى" إلى الحدود التوراتية من زمن الملك سليمان، والتي يُفترض أنها تشمل حاليا الضفة الغربية المحتلة، إضافة إلى أجزاء من الأردن ولبنان وسوريا ومصر والسعودية والعراق.
وقال البيان المشترك إن تصريحات نتنياهو بشأن ما يسمى "إسرائيل الكبرى"، تمثل "استهانة بالغة وافتئاتا صارخا وخطيرا لقواعد القانون الدولي، ولأسس العلاقات الدولية، وتشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي العربي ولسيادة الدول والأمن والسلم الإقليمي والدولي".
وشدد البيان على رفض السياسات الإسرائيلية القائمة على القوة والسيطرة، مؤكدا تمسك الدول الموقعة بالشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة، واتخاذ كافة الإجراءات التي تكرس السلام العادل.
وأكد أن الدول العربية والإسلامية "ستتخذ كافة السياسات والإجراءات التي تؤطر للسلام وتكرسه، بما يحقق مصالح جميع الدول والشعوب في الأمن والاستقرار والتنمية، بعيدا عن أوهام السيطرة وفرض سطوة القوة".
وإضافة إلى ذلك، أدان الوزراء موافقة وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش على خطة الاستيطان في منطقة "إي1"، وتصريحاته الرافضة لإقامة الدولة الفلسطينية، معتبرين ذلك انتهاكا صارخا للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، وعلى رأسها القرار 2334.
ويدين القرار 2334 جميع الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية الرامية إلى تغيير التكوين الديموغرافي، والطابع والوضع القانوني للأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، عاصمة دولة فلسطين.
و"إي1" مخطط استيطاني إسرائيلي يهدف إلى ربط القدس بعدد من المستوطنات الإسرائيلية الواقعة شرقها في الضفة الغربية مثل معاليه أدوميم، وذلك من خلال مصادرة أراض فلسطينية بالمنطقة وإنشاء مستوطنات جديدة، ويمنع أي توسع فلسطيني محتمل.
كما أكد الوزراء في بيانهم "رفضهم المطلق وإدانتهم لهذه الخطة الاستيطانية ولكافة الإجراءات الإسرائيلية غير القانونية، التي تشكل خرقا فاضحا للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن".
وجددوا تأكيد "الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية، الذي شدد على عدم قانونية الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية، وضرورة إنهائه فورا، وإزالة آثاره والتعويض عن أضراره".
وحذروا من "خطورة النوايا والسياسات الإسرائيلية الهادفة إلى ضم الأراضي الفلسطينية، واستمرار الحكومة الإسرائيلية المتطرفة في نهجها الاستيطاني التوسعي في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها من محاولات المساس بالأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية، وفي مقدمتها المسجد الأقصى".
وشددوا على خطورة "إرهاب المستوطنين، والاقتحامات اليومية للمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية والتدمير المنهجي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين وتهجير الفلسطينيين من بيوتهم، والذي يُسهم بشكل مباشر في تأجيج دوامات العنف والصراع، ويُقوّض فرص تحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة".
وفي سياق متصل، جدد وزراء الخارجية في الدول العربية والإسلامية، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، تأكيدهم رفض وإدانة "جرائم العدوان الإسرائيلي والإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتأكيد على وقف إطلاق النار في قطاع غزة".
وبدعم أميركي، ترتكب إسرائيل منذ 7 أكتوبر 2023 إبادة جماعية بغزة تشمل القتل والتجويع والتدمير والتهجير القسري، متجاهلة النداءات الدولية كافة وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.
وخلّفت الإبادة الإسرائيلية 61 ألفا و827 قتيلا و155 ألفا و275 مصابا من الفلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 9 آلاف مفقود، ومئات آلاف النازحين، ومجاعة أزهقت أرواح 240 شخصا، بينهم 107 أطفال.
وأكد الوزراء أيضا ضرورة "ضمان النفاذ غير المشروط للمساعدات الإنسانية لوقف سياسة التجويع الممنهج الذي تستخدمه إسرائيل كسلاح إبادة جماعية بما يتطلبه ذلك من إنهاء فوري للحصار الإسرائيلي القاتل على القطاع، وفتح المعابر الإسرائيلية مع قطاع غزة".
ومنذ 2 مارس الماضي، تغلق إسرائيل جميع المعابر المؤدية إلى غزة، مانعة دخول أي مساعدات إنسانية ما أدخل القطاع في حالة مجاعة رغم تكدس شاحنات الإغاثة على حدوده، وتسمح بدخول كميات محدودة لا تلبي الحد الأدنى من احتياجات المواطنين.
ومؤخرا، حذر برنامج الأغذية العالمي من أن "ثلث سكان غزة لم يأكلوا منذ عدة أيام"، واصفا الوضع الإنساني في القطاع بـ"غير المسبوق في مستويات الجوع واليأس".
وحمل الوزراء في بيانهم، "إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، كامل المسؤولية عن تبعات جرائمها في قطاع غزة، من انهيار المنظومة الصحية والإغاثية، باعتبارها القوة القائمة بالاحتلال".
وجددوا تأكيدهم "الرفض الكامل والمطلق لتهجير الشعب الفلسطيني بأي شكل من الأشكال وتحت أي ذريعة من الذرائع، ومطالبة المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل لوقف العدوان والانسحاب الكامل من قطاع غزة، تمهيدا لتهيئة الظروف الملائمة من أجل تنفيذ الخطة العربية ـ الإسلامية لجهود التعافي المبكّر ولإعادة إعمار القطاع".
وشدد وزراء الخارجية على أن "قطاع غزة جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة، وضرورة تولي دولة فلسطين مسؤوليات الحكم في قطاع غزة كما في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، بدعم عربي ودولي، في إطار البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وسياسة نظام واحد وقانون واحد وسلاح شرعي واحد".
ودعوا في بيانهم، المجتمع الدولي وخاصة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، لا سيما الولايات المتحدة، إلى "تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، والعمل الفوري على إلزام إسرائيل بوقف عدوانها المتواصل على قطاع غزة وتصعيدها الخطير في الضفة الغربية المحتلة، ووقف التصريحات التحريضية الواهمة التي يُطلقها مسؤولوها".
وطالبوا بتوفير "الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، وتمكينه من نيل حقوقه المشروعة، وفي مقدمتها حقه في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على ترابه الوطني، ومحاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني".
على الرغم من قوة البيان الموحد، تواجه الدول العربية والإسلامية تحديات كبيرة في تحويل هذه الإدانات إلى ضغط دولي فعال، فهذه التحديات، التي تتشابك في ما بينها، تضعف الموقف الجماعي وتحد من تأثيره على الساحة العالمية.
تأتي في مقدمة هذه العوائق الانقسامات السياسية العميقة بين الدول العربية والإسلامية. فرغم توحيد المواقف في بيانات رسمية، تظل هناك اختلافات جوهرية في المصالح السياسية والاقتصادية لكل دولة على حدة، مما يمنعها من اتخاذ إجراءات موحدة ومتماسكة. ويتفاقم هذا التحدي بسبب التحالفات الدولية القوية التي تتمتع بها إسرائيل، وفي طليعتها دعم الولايات المتحدة التي لا تتردد في استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لعرقلة أي قرارات قد تضر بمصالح إسرائيل. هذا الدعم الدولي يوفر لإسرائيل غطاء دبلوماسيا يحصنها من أي ضغط دولي قد ينجم عن الإدانات.
ولا يمكن تجاهل القوة العسكرية والاقتصادية الهائلة التي تمتلكها إسرائيل، والتي تمنحها نفوذا كبيرا في المنطقة وعلى الساحة الدولية، ما يجعل من الصعب على الدول العربية والإسلامية ممارسة ضغط فعال دون مواجهة تحديات كبيرة. كما أن أي محاولة لفرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل قد يؤدي إلى تبعات اقتصادية سلبية على بعض الدول العربية والإسلامية التي ترتبط بعلاقات تجارية معها. هذا الأمر يجعل الخيارات المتاحة لهذه الدول محدودة، ويدفعها إلى التفكير مليًا في عواقب أي إجراءات تصعيدية.
يمثل غياب الآليات التنفيذية القوية لدى المنظمات الإقليمية، مثل جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، عقبة رئيسية. فالبيانات المشتركة، رغم أهميتها الرمزية، تفتقر إلى القدرة على إلزام الدول الأعضاء بتنفيذ قراراتها. هذا القصور المؤسسي يحوّل الإدانات إلى مجرد مواقف سياسية لا تملك القدرة على إحداث تغيير حقيقي على الأرض، مما يجعلها تبدو ضعيفة وغير مؤثرة في مواجهة سياسات إسرائيل.