سينما المؤلف بين النخبوية وضجيج أفلام شباك التذاكر
أصبحت السينما اليوم وكأنها تسير في خطين متوازيين لا يلتقيان، خطّ تُكرّسه سينما المؤلف التي تُقدَّم في المهرجانات، وخطّ آخر تمثله السينما التجارية التي تملأ القاعات وتحقق مليارات الدولارات عبر شباك التذاكر، فبينما الاثنين ينطلقان من السيناريو كنقطة بداية، إلا أن طبيعة هذا السيناريو هي التي تُحدد مسار الفيلم: هل يولد ليُصفَّق له في مهرجان دولي؟ أم يولد ليُشاهده الملايين في قاعات ممتلئة؟
يزداد النقاش إثارة حين ننظر إلى السينما المغربية التجريبية، حينما ظهر في السنوات الأخيرة ما يمكن وصفه بـالتحايل الذكي على الجمهور، إذ يلجأ بعض المخرجين إلى الجمع بين سمات سينما المؤلف وخصائص السينما التجارية داخل فيلم واحد، فتجد الفيلم يحمل توقيعاً فنياً يتماشى مع معايير المهرجانات، وفي الوقت نفسه يستعمل وجوهاً مألوفة لدى الجمهور المغربي ويمزج بين الواقعية والحبكة المشوقة، وهذا حقيقة يجعله يحصد الجوائز ويحقق في الآن نفسه نسب مشاهدة محترمة في شباك التذاكر.
ويستثمر هذا النهج في عنصر الوجه المعروف، سواء من نجوم التلفزيون أو المسرح أو السينما، ليضمن جذب شريحة واسعة من الجمهور، وأثبتت هذه الوصفة نجاحها في أكثر من تجربة، حتى صارت عدوى تنتقل بين المخرجين الشباب والرواد، بينما السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يمكن لهذا المسار أن يستمر في النجاح أم أنه مجرد موضة عابرة قد تسقط كما سقطت محاولات سابقة حاولت اللعب على الحبلين ولم تستطع أن تحافظ على التوازن؟
إن الرهان في النهاية يظل قائماً على مدى قدرة صناع السينما المغربية على تطوير سيناريوهات أصيلة تحمل هوية محلية واضحة، وليس الاكتفاء بتوليفة هجينة لا هي مؤلف خالص ولا هي تجاري صرف، فالجمهور قد يُخدع مرة أو مرتين، لكن الاستمرارية لا تتحقق إلا بالجدية والابتكار، لا بالتحايل على الذائقة.
ويرسم المخرج المؤلف نصه وكأنه يبني لوحة فنية، فيتجاوز الحكاية البسيطة إلى الرمزية في تجلياتها، فلا يتردد في كسر البنية الكلاسيكية للقصص، ولا يخشى الغموض أو الإيقاع البطيء، لأنه يعتبر السينما وسيلة للتفكير قبل أن تكون وسيلة للتسلية، لذلك نجد في أفلام مخرجين مثل تاركوفسكي أو عباس كيارستمي أو وونغ كار واي عمقاً يُغري النقاد، لكنه يُرهق المشاهد العادي، وهنا يكمن سر محدودية جمهور هذه السينما، قوة فنية عالية، لكن تواصل ضعيف مع عامة الناس.
ويكتب السيناريست التجاري نصه وهو يضع الجمهور في الاعتبار أولاً، إذ أن الحكاية تُبنى على حبكة متماسكة وإيقاع سريع وأحداث مشوقة وذروة واضحة ونهاية مُرضية والهدف إمتاع الجمهور، ومن هنا تأتي قوة السيناريو التجاري، أي أن بساطته استراتيجية لضمان التفاعل. وهو ما يفسر كيف تُحقق أفلام مثل "أفاتار" أو إنتاجات بوليوود أو حتى السينما الصينية أرقاماً فلكية على مستوى عالمي، لأن السيناريو فيها يخاطب الحواس أكثر مما يخاطب الذهن.
ورغم هذا التباين الحاد، لا يمكن إنكار أن بعض السينما التجارية بلغت مستوى من الذكاء جعلها تقترب من سينما المؤلف، فالمخرج كريستوفر نولان مثلاً استطاع أن يكتب سيناريوهات تجمع بين العمق الفلسفي والجاذبية الجماهيرية في أعمال مثل أفلام السير الذاتية المعروفة، في حين أن بعض أفلام المؤلف كسرت العزلة وحققت جماهيرية واسعة مثل أفلام أصغر فرهادي التي حملت بُعداً إنسانياً قويا، وهذا التداخل يؤكد أن الحدود بين المؤلف والتجاري ليست صارمة دائماً، وإنما يمكن أن تتحول إلى منطقة مشتركة تثمر سينما متوازنة.
وهكذا يتضح أن جوهر الصراع بين السينما التجارية وسينما المؤلف ليس في الصورة أو الإخراج بقدر ما هو في السيناريو، لأن الأول يراهن على التشويق والمتعة الجماعية، والثاني يراهن على الفكر والبحث عن معنى أصدق، فإذا كانت المهرجانات تمنح سينما المؤلف بريقاً نقدياً، فإن شباك التذاكر يمنح السينما التجارية حياة اقتصادية مستمرة، وتبقى السينما فناً وصناعة معاً، تحتاج إلى سيناريو يحافظ على جمالها، كما تحتاج إلى سيناريو يحافظ على بقائها.