الأزهر يطرح مبادرة لتخفيف التوتر بين سنة وشيعة لبنان
القاهرة - طرح الأزهر مبادرة تهدف إلى جمع رجال الدين اللبنانيين من الطائفتين السنية والشيعية ضمن دورة تدريبية مشتركة في القاهرة، وذلك في محاولة لمعالجة الانقسامات المذهبية المتجذرة في لبنان، والتي تُعد أحد أبرز عوامل الاضطراب المزمن الذي يعيشه البلد.
الإعلان جاء خلال لقاء جمع شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، برئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، الذي يقوم بزيارة رسمية إلى العاصمة المصرية، وسط أزمات سياسية وأمنية متفاقمة يعيشها لبنان، تشكل فيها الانقسامات المذهبية وقودًا دائمًا للتوتر الداخلي.
وبحسب ما نقله بيان صادر عن مشيخة الأزهر، فإن البرنامج التدريبي سيتضمن تأهيلًا فكريًا ودينيًا للأئمة المشاركين، مع التركيز على خطاب الوحدة والتسامح والتعايش، بما يتلاءم مع الخصوصية اللبنانية، ويستجيب لتحدياتها التاريخية والاجتماعية. وأكد الطيب خلال اللقاء أن الأزهر يدرك تمامًا حساسية الوضع الطائفي في لبنان، ويسعى إلى تقديم مساهمة واقعية في تهدئة هذا الاحتقان من خلال أدواته التعليمية والدعوية.
وقال الطيب "ندرك أن لبنان بحاجة إلى خطاب ديني جامع، يحصّن المجتمع من الانقسام، ويعيد الاعتبار لقيم المواطنة والوحدة الوطنية"، مشيرًا إلى أن الأزهر مستعد لتوسيع برامجه التدريبية لتشمل أكبر عدد ممكن من الأئمة اللبنانيين، دون تمييز طائفي، بل بهدف بناء قاعدة دينية مشتركة تعزز من التماسك الداخلي.
وتأتي هذه المبادرة في وقت يُعد فيه لبنان من أكثر الدول العربية تأثرًا بالتجاذبات الطائفية، التي طالما أعاقت قيام دولة قوية موحدة، وتسببت مرارًا في نزاعات داخلية دموية. ويرى مراقبون أن تحرّك الأزهر في هذا التوقيت يعكس وعيًا بمسؤوليته التاريخية، ليس فقط كمرجعية سنية عريقة، بل كمؤسسة تسعى لحماية النسيج الاجتماعي العربي من الانهيار.
وفي هذا السياق، شدد شيخ الأزهر على أن "الوحدة هي الطريق الوحيد لنهضة الأمة، وأن الفرقة لا تخدم إلا أعداءها"، مستشهدًا بالآية الكريمة: {واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا}. وأضاف أن الأزهر سبق له أن أطلق مؤتمر الحوار الإسلامي-الإسلامي في البحرين، كمحاولة لتأسيس أرضية مشتركة بين المذاهب الإسلامية، وهو مستعد لتوسيع هذه المبادرات بالتعاون مع مختلف الدول العربية.
بالإضافة إلى الجانب الدعوي، أعلن الطيب عن استعداد الأزهر لزيادة عدد المنح الدراسية المخصصة للطلاب اللبنانيين، وفتح أبواب مؤسساته التعليمية أمامهم، مشيرًا إلى أن هذه المنح تُعد جزءًا من شراكة معرفية طويلة بين لبنان والأزهر، وتُسهم في خلق جيل جديد أكثر انفتاحًا وتسامحًا.
ووفقًا للبيان، فإن رئيس الوزراء اللبناني أعرب عن تقدير بلاده العميق لدور الأزهر، واصفًا إياه بـ"الضامن التاريخي لوحدة الأمة"، ودعا الطيب لزيارة لبنان، قائلاً: "اللبنانيون يتطلعون لزيارتكم، ويعتبرونكم رمزًا للسلام والاعتدال، ووجودكم في بيروت سيكون رسالة دعم معنوي كبيرة في هذه المرحلة الصعبة".
كما أشار سلام في حديثه إلى أن لبنان دفع ثمنًا باهظًا نتيجة الصراعات الطائفية، وعانى من تداعياتها الاجتماعية والسياسية لعقود، مؤكدًا أن حكومته تسعى، رغم التحديات، إلى نزع فتيل الفتن، وتهيئة المناخ لإعادة بناء الدولة، معتبرًا أن دور الأزهر في هذا السياق "أكثر من ديني، بل هو دور استراتيجي يلامس جوهر الصراع في لبنان والمنطقة".
ولا يقتصر أثر المبادرة الأزهرية على الساحة اللبنانية فقط، بل يُنتظر أن تكون لها انعكاسات أوسع على المنطقة، التي لا تزال تعاني من تداعيات التوترات الطائفية الممتدة من العراق إلى اليمن. وبتحركه باتجاه تقريب السنة والشيعة ضمن برامج تعليمية موحدة، يرسل الأزهر رسالة مفادها أن وحدة المسلمين لم تعد خيارًا، بل ضرورة وجودية في زمن تتعاظم فيه الانقسامات.