بلاغ من ميت

يا ولدى ليس هناك مكان للإنسانيات والمشاعر في هذا العصر. الإنسان لا يساعد الإنسان كما أن القانون هو القانون.

أخذ طريقه نحو مكتبه بحزم وثبات .. بينما أخذت الأيدي ترتفع له في ثبات وانتظام. بعد أن تقع عيون أصحابها على التاج الذهبي والنجمتين اللتين تحفانه كوصيفتي عروس، أخذ تلحقان بعروسهما تزينانه وتعطرانها.. بينما أخذ يمشى في خُيلاء واضعاً عينيه على الباب الخشبي الأبيض الذي يحمل اسمه بحروف سوداء بارزة.. دخل الغرفة فقابله الجدار بتكشيرة ظهرت فيها بقع من الطلاء الذهبي وقع بفعل رصاصات المطر والرطوبة التي تلتهم كل شيء .. والعفن المستطير الذي تملأ رائحته المكتب.

جال ببصره كي يقابله الوجه الذي نبتت فيه شعيرات قصيرة سوداء وتهدلت عيناه بشكل ناعس .. والتمعت في مقلتيه نظرة رجاء حارة ... ابتسم في سخرية بل في شماتة بينما انخفضت مؤخرته لتلامس المقعد الجلدي الأسود الوثير .. أخذ يدور يميناً ويساراً .. ملقيا نظرة احتقار على الكاتب القصير الذي فتح دفتره مسبقاً وأمسك القلم وأخذ يلفه بين أصابعه .. منتظراً بدء الاستجواب.. ـ ما اسمك؟ قفزت هذه الكلمات من حلق الضابط لتسقط على مكتبه بفعل جاذبية لا متناهية التي فرضتها قسوة نظرته.. ارتفعت حلقات التعب التي تحكم حصادها حول عيني الرجل.. ناظرة إليه ــ اسمي سائق بريء.. نعم يا سائق بريء .. لماذا دهست المواطن المذكور أعلاه .. وأردف فوراً هاباً من مقعده ليعطي جملته تأثيراً خاصاً: لا بد أنك تعمدت ذلك. "واللهي العظيم ما لمسته .. انا وجدته ملقًى على قارعة الطريق ينزف بغزارة .. فآثرت أن أنقله للمستشفى بدلاً من أن يموت. تدحرجت دمعة كبيرة شاقة طريقها عبر الحلقات إلى ذقن سائق بريء .. حيث صعب لها المقام. ــ أنت المتهم الأول. ولكنني لم أدهسه .. واللهي العظيم لم أدهسه. هل تنكر أنك دهسته؟ نظر إلى الكاتب نظرة ذات مغزى وجد القلم نفسه بعدها حُراً" يا أخي حتى لو كان يقول لك (في عرضك) ما كان يجب عليك أن تنقله.

واكتسب صوته لهجة نصوحة. يا ولدى ليس هناك مكان للإنسانيات والمشاعر في هذا العصر. الإنسان لا يساعد الإنسان كما أن القانون هو القانون. "لو حلفوك بحياة أبيك الذي يرقد في قبره ليس هذا الوقت .. وقت الحب والعطف" .. لحقت بالدمعة الأولى أخريات كثيرات. "التفت إلى الكاتب" .. اكتب وقد اعترف السائق البريء بأنه دهس المواطن المذكور أعلاه، وقد نقله بنفسه إلى المستشفى وأغلق المحضر في ساعته وتاريخه وهوى بقبضته على جرس حقير يحتل ركناً من سطح مكتبه. ليفتح الباب ويطل على عتبته جندي يضرب كعبيه بعضها بقوة .. ــ خذه .. مظلوم واللهى مظلوم .. ظلت الصرخة تسقط في وادٍ سحيق .. وصداها يتردد كعصفور حبيس .. يروح ويغدو داخل القضبان الصلعاء وتنسكب حروفها في أذن الضابط حتى غاب الصوت تماماً ..

شد الضابط قامته وهز كتفيه جاعلاً رتبتيه تصدران صوتاً ما .. نظر إلى الكاتب الذي أغلق الدفتر وهو ينظر إلى الضابط نظرة عتاب .. ظل يكررها بين الفينة والأخرى. عاود النظر فيما حوله .. وصرخة الرجل ما زالت تطرق جدران أذنيه. نفض تراباً وهمياً كان قد استقر على بزته.. فتح عينيه عن آخرهما عندما تذكر ميعاده المضروب مع خطيبته الجميلة .. على شاطئ البحر بين أحضان الطبيعة المحيطة بأشجار النخيل في كافيتريا يطل على الشاطئ مباشرة. ورمى أمره بالانصراف إلى الكاتب الذي التقطه بسرعة.

أخذ قراره بعدم ركوب سيارته هذه المرة .. وفضل الذهاب ماشياً إلى المطعم .. وفي أثناء الطريق لمح محلاً للورود تزين واجهته الألوان الصفراء والحمراء والبنفسجية. دخل إلى المحل اختار منه باقة جميلة تناسب عروسه وأخذ طريقه خارجاً من الحانوت. حالماً .. لامس كعب حذائه أرضية الشارع .. ترامت إلى مسامعه صرخات أنثوية وأخرى رجولية وكلها تفيد التحذير .. عندما التفت بوجهه إلى يسار الشارع.. التقت عيناه مقدمة السيارة المقتربة بسرعة.. لم يستوعبها ولم يرها في حياته كلها كرصاصة تشحن أسنانها لكي تمزق قلب أحدهم لم يستطع أبداً أن يلتفت ليرى رقم السيارة التي أخذت طريقها مبتعدة بسرعة أكبر امتلأ أنفه برائحة الزهور بينما ملأت نكهة الدم فمه. أحس بغثيان شديد في حين أخذ الناس ينفضون عنه .. بدأت الدنيا تُسد أمامه.. لفت عقله دوائر متهدلة ذكرته بشخص لم يستطع أن يربط اسمه بصورته في حين أخذت أنفاسه تأخذ طريقها للهواء الطلق بصعوبة. نطقت شفتاه بالكلمات: بعرضكم بحياة أبيكم.