المغرب في الأمم المتحدة: سيادة لا تُساوم ورؤية لسلام عادل

الرسالة المغربية تؤكد أن الحكم الذاتي تحت السيادة الوطنية لم يعد مجرد فكرة تفاوضية، بل تحول إلى الإطار الوحيد الواقعي لتسوية النزاع المفتعل حول الصحراء.

الرباط - في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، لم تكن الرسالة المغربية مجرد مناسبة بروتوكولية، بل جاءت لتعكس بوضوح المعادلة الدبلوماسية للمملكة: الدفاع الصارم عن السيادة الوطنية في الصحراء المغربية، والالتزام الثابت بإرساء سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط عبر حل الدولتين. خطاب جمع بين الحزم في المبدأ والبراغماتية في الرؤية، ليؤكد أن المغرب لم يعد يكتفي بدور المتلقي، بل أصبح فاعلا مبادرا في صياغة معادلات الاستقرار الإقليمي.

الصحراء المغربية من المقترح إلى المرجعية

أكدت الرسالة المغربية أن الحكم الذاتي تحت السيادة الوطنية لم يعد مجرد فكرة تفاوضية، بل تحول إلى الإطار الوحيد الواقعي والمصداقي لتسوية النزاع المفتعل حول الصحراء. وهذا الموقف لا يستند فقط إلى الطرح المغربي، بل إلى دينامية دولية متصاعدة تعتبر أن هذا الحل هو الضامن الوحيد لإنهاء نزاع طال أمده.

بالتوازي، شدد الموقف المغربي على أن الأقاليم الجنوبية تعرف اليوم تحولا عميقا بفضل النموذج التنموي الجديد والمشاريع الاستراتيجية. المنطقة لم تعد هامشا ينتظر الحل السياسي، بل أصبحت مركزا اقتصاديا وجيوسياسيا يفرض نفسه كجسر بين إفريقيا والأطلسي، وكفضاء استراتيجي للأمن والتنمية المشتركة.

حل الدولتين ليس خيارا بل التزام

في موازاة ذلك، جدد المغرب التأكيد على دعمه الراسخ لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، مع اعتبار غزة جزءا لا يتجزأ منها. موقف يعكس التزاما ثابتا يقوده الملك محمد السادس بصفته رئيس لجنة القدس، ويترجمه العمل الميداني لوكالة بيت مال القدس في حماية الهوية الفلسطينية وصون الوضع القانوني للمدينة المقدسة.

الموقف المغربي لم يكتف بإعادة طرح حل الدولتين، بل دعا إلى إدماج البعد الاقتصادي وإعادة الإعمار ضمن مسار السلام، وتعزيز قدرات السلطة الفلسطينية لتلبية تطلعات شعبها في الأمن والكرامة والتنمية. كما شدد على ضرورة تعبئة دولية أوسع لضمان وقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات، وتفعيل خريطة إعادة الإعمار التي أقرتها القمة العربية الاستثنائية.

وحدة الرؤية: السيادة والحقوق المشروعة

ما يجمع بين الموقف المغربي من الصحراء ومن فلسطين هو المنطق نفسه: لا سلام دون احترام السيادة الوطنية، ولا استقرار دون ضمان الحقوق المشروعة للشعوب. المغرب يقدم بذلك رؤية متكاملة:

في الصحراء، السيادة والوحدة الترابية خط أحمر.

في فلسطين، الدولة المستقلة والحقوق الوطنية غير قابلة للتصرف.

إنها قراءة تؤكد أن المغرب لا ينطلق من ازدواجية المعايير، بل من ثبات المبدأ وربط الشرعية الدولية بالحلول الواقعية.

ما وراء القضيتين: دبلوماسية شاملة في زمن الأزمات

لم يقتصر الموقف المغربي على هذين الملفين المركزيين، بل شمل قضايا إقليمية أخرى: التضامن مع دول عربية تواجه اعتداءات متكررة، والدعوة إلى حلول سياسية سلمية في ليبيا واليمن والسودان والصومال. كلها مواقف تنسجم مع قناعة المغرب بأن التدخلات الأجنبية لا تجلب سوى المزيد من الفوضى، وأن الحلول المستدامة تمر حتما عبر احترام سيادة الدول ووحدتها الترابية.

المغرب يرسم خطا استراتيجيا جديد

ما قدمه المغرب في نيويورك يتجاوز مجرد الدفاع عن قضيته الوطنية أو إعادة التأكيد على موقفه من فلسطين. إنه إعلان لرؤية استراتيجية ترى أن طي صفحة النزاعات ممكن حين يلتقي منطق الشرعية الدولية مع الحلول الواقعية والتنمية المشتركة.

الرسالة المغربية إذن واضحة: السيادة الوطنية ليست موضوعا للتفاوض، والسلام العادل ليس مجرد شعار، بل التزام أخلاقي وسياسي لا يقبل التأجيل.