اختبار السُّلطة مع نيكولو ميكيافيللي له معايير

الصراعات الداخلية والخارجية شكَّلت رؤية "مكيافيللي" للحكم، وخاصة أن إسبانيا وفرنسا كانتا تتنازعان على الاستحواذ على فلورنسا، مما جلب الدمار والخراب لبلاده.

الحديث عن القوَّة لا يزال محل جدل كبير، وله من الدهاليز المتشعِّبة والملغزة ما يجعله مصدر حيرة ليس فقط للفرد العادي، بل أيضًا للمفكِّرين والفلاسفة. وهذا الخطاب، بالطبع، لا يستهدف الحديث عن القوَّة البدنية، التي قد تكون غاشمة وطائشة إذا احتواها جسد بلا فكر سليم. لكن، على النقيض، تصبح القوَّة البدنية المصاحبة لجسد صاحبه ذو عقل قويم بمثابة جوهرة التاج البرَّاقة، والتي تشع أيضًا بوهج القوَّة الداخلية. ولهذا السبب، يحرص رجال الحضارة الروسية والإسكندنافية على إظهار مدى قوَّتهم الجسدية منذ قديم الزمان وحتى الآن. ولعل صفحات التاريخ تذكر أن قيصر روسيا "بطرس الأول" الشهير باسم "بطرس العظيم" (1672-1725)، كان يحرص على النزال والسباحة في مياه روسيا الثلجية في الشتاء القارس، لبيان مدى قوَّته البدنية.

لكن مثار الجدل الحقيقي هو توصيف قوَّة الشخصية وقوَّة الإرادة وقوَّة العزيمة، فعند عرض ووصف كيفية بلوغ ذاك النوع من القوى، اختلف المفكِّرون والفلاسفة. ومن أشهر الفلاسفة الذين ناقشوا هذا النوع من القوَّة الفيلسوف الألماني "فريدريك نيتشه" Friedrich Nietzsche (1844-1900)، الذي جعل الذعر يدب في نفوس من يسمع عن نظرية الرجل القوي الذي يصبح "فوق إنسان" Übermensch، أو – كما تُترجم عادة – "سوبرمان". وعلى النقيض الآخر، كانت الفلسفة الرواقية تحضّ على أهمية الفضيلة وأهمية امتلاك عقل راجح يمكِّن صاحبه من الخروج من المآزق باستخدام الذكاء وقوَّة الشخصية، لدرجة تجعل من يلحظه يتَّخذ منه نموذجًا يُحتذى به. وبهذا الشكل يمكن تقويم المجتمع وتهذيب نفوس أبنائه. وبالنسبة للفلسفة الرواقية، فإن أعظم درجات القوَّة تنبلج في "التخلِّي" عن المظاهر المادية للقوَّة التي تعتبرها "زائفة"، وامتلاكها لا يفسد صاحبها فقط، بل يُحدث اضطرابًا اجتماعيًا، وقد يحيل من يمتلكها إلى نموذج يفسد الآخرين.

ويتقابل مع وجهتي نظر "نيتشه" و"الرواقيين" فكر رجل السياسة "نيكولو مكيافيللي" Niccolò Machiavelli (1469-1527)، الذي لا تزال شهرته تدوِّي عبر العصور، وكأن كتابه "الأمير" The Prince، الذي كتبه عام 1513 ونُشر بعد خمس سنوات من رحيله عام 1532، قد نُشر بالأمس. ولعل السبب الذي جعل من هذا الكتاب أسطورة أعجوبية هو أنه يلامس الجانب المظلم من القوَّة، الذي يخجل الأفراد من الحديث عنه لانطوائه على أساليب من التلاعب والدهاء تندرج تحت شعار "الشر" أو "الشيطنة". والمفارقة أن كثيرًا من الكتَّاب المعاصرين، الذين تصدَّرت كتبهم عن تنمية الذَّات قوائم أعلى المبيعات، تضمنّت أفكار مخطوطاتهم المبادئ نفسها التي نصح بها "مكيافيللي"، لكنهم يحرصون على عدم ذكر اسمه حتى لا تكتسب منشوراتهم سمعة "مكيافيللي" السيئة.

فالقوَّة التي تدفع الإنسان إلى امتلاك "السُّلطة" بمثابة الوسيلة التي توقظ الوحش الكامن في النفس البشرية. وقد ناقش هذا الأمر الكاتب الأمريكي المكسيكي الأصل "داتشر كيلتنر" Dacher Keltner في كتابه "مفارقة القوَّة: كيف نكسب النفوذ وكيف نخسره" The Power Paradox: How We Gain and Lose Influence (2016)، مشدِّدًا على الجوانب المظلمة من السُّلطة. فأوضح أن من يبلغ عرش السُّلطة أو يصل إلى سدّة الحكم غالبًا ما يكون من الأفراد الاجتماعيين والمحبوبين، القادرين على كسب ثقة من حولهم. علمًا أن ألوان السُّلطة تتنوع بين قيادة شركة أو مصنع أو حتى دولة. لكن ما إن يتمكَّن ذاك الفرد من السُّلطة حتى تتبدَّل أحواله، ويبدأ وحشها في الظهور والازدهار بشكل مخيف، لدرجة قد تجعل صاحبها يتحوَّل إلى وحش مفترس. ولهذا خلُص "كيلتنر" إلى أن منح السُّلطة لأشخاص، ولو حتى لفترة وجيزة، يعمل على تغيير سلوك الفرد. فما يحدث أنه يصبح أكثر أنانية، ويصير همه الأكبر تحقيق أكبر استفادة ومكاسب شخصية يعتقد أنها ستنفعه مستقبلًا، ولو طال الزمان. أضف إلى ذلك أنه قد يفقد القدرة على التعاطف مع الآخرين، ويملؤه الشعور بأنه – في أغلب الأحيان إن لم يكن في جميعها – لا يخطئ أبدًا.

وقد حذَّر من مغبَّة السُّلطة الفيلسوف السياسي الفرنسي "شارل لويس دي سيكوندا" المعروف باسم "مونتسكيو" Montesquieu (1689-1755). وبالنسبة له، فإن منح السُّلطة لشخص ما يعد اختبارًا قاسيًا لكشف خبايا النفس العالقة في العقل الباطن للفرد دون أن يدري. ولهذا السبب كان يردد: "إذا أردت أن تعرف أخلاق رجل فضع السُّلطة في يده، ثم انظر كيف يتصرف". وتبعًا لهذا المعتقد، بنى "مونتسكيو" أسس فلسفته السياسية على نظام "فصل السُّلطات"، الذي صار نظرية يعتنقها مشرّعو القوانين، ونظامًا تعتمده العديد من الدساتير الحالية حول العالم. وعلاوة على هذا، يعد كتابه "روح القوانين" الصادر عام 1748، والذي أصرّ حينها ألّا يكون ممهورًا باسمه، من أمهات المراجع القانونية التي حظيت باستقبال رائع في بريطانيا والولايات المتحدة، وكان تأثيره جليًا عند كتابة الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الدستور الأمريكي، المُطبَّق إلى يومنا هذا. ولهذا لم يكن غريبًا أن يظهر أثر "مونتسكيو" على الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة "أبراهام لينكولن" Abraham Lincoln (1809-1865)، حينما كان يردد مؤكدًا "إذا أردت اختبار معدن رجل، امنحه سلطة".

وبما أن القوَّة الذاتية مانح طبيعي لسُلطة واسعة النطاق، فإن حياة "نيكولو مكيافيللي" تجسيد حيّ للسُّلطة المهيمنة، التي تتلاشى فيها الحدود بين الصواب والخطأ. وعلى الرغم من جوانبها السلبية، لا يزال يقدِّرها كثيرون ويسيرون على منهاجها دون الإفصاح عن ذلك؛ خشية توجيه أصابع الاتهام، وإن كانت تفضحهم تصرُّفاتهم. ومسيرة حياة "مكيافيللي" تعكس سبب تحوُّله المريب إلى ذاك النموذج.

فقد وُلد "مكيافيللي" في مدينة "فلورنسا" بإيطاليا، وهي مدينة لم تعرف الاستقرار في ذاك الوقت؛ إذ لم تكن إيطاليا حينئذٍ دولة موحَّدة، بل مجموعة من الممالك المُتفرِّقة والمتناحرة. وكانت السياسة في فلورنسا لعبة دامية جعلت العنف جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية. وغذّى تلك الفوضى الصراع الدائم بين العائلات الكبرى، التي كانت تستعين بجيوش مرتزقة لا تدين بالولاء إلا لمالكها في تلك اللحظة. أي أن امتلاك القوَّة والدهاء، اللذين يدفعهما الإصرار والإرادة، كان وقود البقاء وتحصين الذَّات.

كان الشاب "مكيافيللي"، الذي لم يتجاوز العشرين من عمره آنذاك، شاهدًا على تلك الصراعات والخيانات والانهيارات المتكررة للسُّلطة التي أعقبت طرد عائلة "ميديشي"، وتوالي سلطات هشّة سريعة الظهور والانهيار. لكن واتت الفرصة "مكيافيللي"، البالغ من العمر 29 عامًا فقط، حينما تم تعيينه رئيسًا للديوان الثاني، خلفًا لقسيس أُعدم حرقًا بتهمة الهرطقة. وكانت مهام منصبه هي تولي الشؤون الخارجية لفلورنسا، وتفقُّد أراضيها الخارجية والحفاظ على سلامتها.

شكَّلت الصراعات الداخلية والخارجية رؤية "مكيافيللي" للحكم، وخاصة أن إسبانيا وفرنسا كانتا تتنازعان على الاستحواذ على فلورنسا، مما جلب الدمار والخراب لبلاده. وقد شهد عام 1512 دمارًا شاملًا لحياته؛ إذ سقطت السُّلطة واعتلت عائلة "ميديشي" مرة أخرى حكم فلورنسا. أما "مكيافيللي"، فتم القبض عليه وتعذيبه وسجنه بتهمة التآمر، وأخيرًا طرده إلى الريف.

وعلى عكس التوقُّعات، لم تهن روح "مكيافيللي"، ولم تكسره الأزمة، بل شحذت عزيمته وحثَّته على تأليف أعظم أعماله الخالدة منذ عام 1513، كتاب "الأمير". وتطبيقًا لواقعيته السياسية، فإن الغرض الأساسي من كتابة تلك المخطوطة كان إهداءها للرجل نفسه الذي أطاح به، "لورينزو دي ميديشي"، على أمل استعادة منصبه مرة أخرى. وحدث بالفعل ما أراد، بعد أن اختبرت رؤوس السُّلطة تأثير تعاليمه. ومن ثمَّ تحوَّل الكتاب من مجرَّد مخطوطة إرشادية إلى مرجع لكل من يصل إلى سدَّة الحكم، وأخيرًا كُتب لمخطوطة "الأمير" البقاء لكونها قنبلة فكرية بمقدورها إحداث تغيير جذري في موازين القوَّة والسُّلطة.

وفي ستينيات القرن الماضي، أوضح الفيلسوف الإيطالي "يوليوس إيفولا" Julius Evola، المناصر للطبقة الأرستقراطية والمحسوب على التيارات اليمينية المتطرفة والنظام الفاشي في إيطاليا، أن العالم دخل مرحلة من الانهيار لا يمكن عكسها، بسبب انحطاط المنظومة الأخلاقية وتفشِّي موجة من الإلحاد قائمة على فلسفة "نيتشه" واعتناق مقولته الشهيرة بأن الإله قد مات. ومن ثمَّ، لإنقاذ العالم من الفساد والانحطاط، لا يجب الإغراق في التراجع ودفن الذات في القيم الدينية ومحاولة إعادة نشرها، بل محاربة الفساد بجميع الوسائل، حتى ولو كانت غير أخلاقية، على غرار مقولة "الضرورات تُبيح المحظورات". ولهذا السبب كتب "إيفولا" آخر أهم أعماله بعنوان "اركب النمر" Ride the Tiger (1961)، متضمنًا مجموعة من النصائح لتحقيق تصالح تام مع النفس، من أجل الإمساك بزمام القوَّة والإرادة لمجابهة مصاعب الحياة.

وعنوان الكتاب استعارة مُشتقة من أحد التعاليم الهندية البرهمية، وتعني وجوب محاربة الفساد بنفس الأساليب، تبعًا لشعار "العين بالعين". و"النمر" في تلك الاستعارة يعني الفساد والانحطاط، أما محاربته بنفس الأساليب فتفرض ركوبه من أجل إخضاعه.

ومن وجهة نظر "إيفولا"، تعد السيطرة التامة على الذَّات، واتباع أساليب يشحذها الدهاء، أساس القوَّة الداخلية، وبالتالي قوَّة الحجة والتطبيق، في عصر لم تعد فيه التيارات اليمينية قادرة على عكس مسار فساد الحضارة الحديثة. ومع ذلك، نأى "إيفولا" بنفسه عن الانخراط في لعبة السياسة، وإن لم يستبعد تدخله مستقبلًا حينما "يصيب التعب نمر الحداثة من جرَّاء الركض".

ويؤكِّد "إيفولا" أن على المرء أن يبقى ثابتًا ومستعدًا للتدخل في أي لحظة، والتصرف بعنف ضد الانحطاط الحديث. وفي تلك اللحظة، يصبح الإنسان كيانًا مهيبًا شديد الشراسة في وجه الأعداء، وهادئًا ومسيطرًا في جميع الأوقات، ولا سيما في أوقات الأزمات. وتبعًا لذلك، يتحوَّل الفرد إلى نموذج يفوق "السوبرمان" الذي نصح به "نيتشه"، لأن القوَّة حينها تقترن بالقضاء على أي نقاط ضعف قد تعيق الفرد عن تحقيق أهدافه.

ولهذا، تظل إجابة هذا التساؤل المحيِّر دومًا عالقة "هل كان مكيافيللي داهية ظالمة وشرسة الأساليب، أم أنه فقط حاول هزيمة الفساد والانحطاط الأخلاقي بركوب النمر؟"