المغرب في الأمم المتحدة: من خطاب الدفاع إلى خطاب المبادرة
في كل دورة من دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة، تتحول منصة نيويورك إلى ساحة اختبار حقيقية للخطابات الدبلوماسية. هناك، حيث تُعرض القضايا الكبرى أمام أنظار العالم، لا يكفي أن تُطرح المواقف، بل يجب أن تُبنى بصرامة في الحجج، وهدوء في النبرة، وقدرة على الإقناع. في هذا السياق، جاءت مداخلة السفير عمر هلال، الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، رداً على تصريحات وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف بشأن الصحراء المغربية. لكنها لم تكن مجرد رد في إطار سجال تقليدي، بل لحظة لإعادة ترتيب النقاش وإبراز التحول العميق في موازين الخطاب الدبلوماسي حول هذا الملف.
1 استدعاء التاريخ لتثبيت الشرعية
أول ما ميّز مداخلة هلال هو العودة إلى التاريخ، لا باعتباره أداة للتذكير العاطفي، بل كمرجع موضوعي يقطع الطريق على المغالطات. فالمغرب هو الذي بادر، منذ استقلاله عام 1956، إلى إدراج قضية الصحراء في جدول أعمال الأمم المتحدة باعتبارها قضية تصفية استعمار. ومنذ ذلك التاريخ، كان النقاش أممياً وعلنياً. ثم جاء قرار الجمعية العامة رقم 3458B عام 1975 ليأخذ علماً باتفاقيات مدريد التي أنهت الاستعمار الإسباني في الأقاليم الجنوبية. هذه المحطات ليست تفاصيل عابرة، بل شواهد تثبت أن الشرعية الأممية نفسها سجّلت نهاية الاستعمار، وحوّلت النقاش من ملف “تصفية استعمار” إلى ملف “تسوية سياسية”.
من خلال هذا الاستدعاء، أوضح هلال أن محاولة الجزائر تقديم القضية وكأنها ما تزال عالقة في خانة الاستعمار لا تصمد أمام القراءة القانونية للنصوص الأممية نفسها. إنها إذن معركة ذاكرة وشرعية، والمغرب يملك من الوثائق ما يكفي لحسمها.
2 من الشرعية إلى الواقع: التنمية كحجة
لم يتوقف الخطاب المغربي عند البعد التاريخي والقانوني، بل تجاوزه إلى الواقع الملموس على الأرض. ففي مواجهة الأطروحات التي تتحدث عن “وقائع مفروضة”، عرض هلال لوحة متكاملة عن التحولات التنموية في الصحراء المغربية: طرق سيارة تربط الشمال بالجنوب، ميناء ضخم في الداخلة على المحيط الأطلسي، جامعات ومستشفيات جامعية، مشاريع طاقة متجددة، واستثمارات بمليارات الدولارات.
الأهم من ذلك هو الحضور السياسي للمواطنين الصحراويين أنفسهم، الذين يشاركون بانتظام في الانتخابات ويمثلون جزءاً من النسيج المؤسساتي الوطني. إلى جانب ذلك، فتحت ثلاثون دولة قنصليات عامة في العيون والداخلة، ما يعكس اعترافاً عملياً بالسيادة المغربية على المنطقة. هذه المعطيات تجعل من الصعب النظر إلى الصحراء كمنطقة نزاع جامدة؛ إنها فضاء اندماج وتنمية، وورقة قوية في الخطاب المغربي.
3 تفكيك الموقف الجزائري: بين النفي والاعتراف
من أبرز لحظات مداخلة هلال كشف التناقض البنيوي في الخطاب الجزائري. فالجزائر تعلن رسمياً أنها “ليست طرفاً” في النزاع، لكنها في المقابل تضع الشروط، وتحدد السقف السياسي للتسوية، وتوجه مواقف جبهة البوليساريو. هذا التناقض يضعها في موقع الطرف المباشر، حتى وإن حاولت إنكار ذلك.
بذكاء دبلوماسي، لم يكتف هلال بكشف هذا التناقض، بل دعا الجزائر إلى تحويل هذا الاعتراف الضمني إلى انخراط صريح في المسار الأممي، وخاصة في الموائد المستديرة التي يشرف عليها مجلس الأمن. الرسالة هنا واضحة: المغرب لا يبحث عن إقصاء الجزائر من النقاش، بل عن إشراكها في الحل بما يتناسب مع حجم دورها الفعلي.
4 قوة الدعم الدولي: الإجماع يتشكل
مداخلة هلال لم تغفل البعد الدولي، إذ ذكّر بأن أكثر من 120 دولة تدعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية، من بينها ثلاثة أعضاء دائمين في مجلس الأمن، إضافة إلى ثلثي أعضاء الاتحاد الأوروبي. كما أن عشرات الدول اعترفت صراحة بمغربية الصحراء. هذه الأرقام ليست مجرد رصيد دبلوماسي، بل دليل على أن المبادرة المغربية لم تعد مجرد مقترح تفاوضي، بل قاعدة صلبة تشكل ما يشبه “الإجماع الدولي” حول الحل الواقعي الممكن.
5 منطق التوافق: البعد القيمي للخطاب المغربي
ورغم كل هذا الزخم من الحجج والوقائع، لم يغفل هلال التأكيد على البعد القيمي الذي يميز المقاربة المغربية. باستحضاره مقتطفاً من الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش، أعاد التأكيد أن المغرب، رغم الدعم الدولي الواسع الذي يحظى به، يظل منفتحاً على حل توافقي “لا غالب فيه ولا مغلوب”. هنا يبرز التوازن الدقيق بين الحزم والانفتاح: المغرب متمسك بحقوقه التاريخية والسيادية، لكنه لا يغلق باب الحوار ولا يرفض منطق التسويات التي تحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف.
قراءة في التحولات
إذا وضعنا هذه المداخلة في سياق أشمل، يمكن القول إن المغرب لم يعد يكتفي بخطاب دفاعي، بل انتقل إلى خطاب مبادر. من خلال الجمع بين الشرعية التاريخية، والدينامية التنموية، والدعم الدولي، والتأكيد على روح التوافق، يعيد المغرب صياغة النقاش حول الصحراء داخل الأمم المتحدة.
أما الجزائر، فما تزال حبيسة سردية متجاوزة لا تجد صدى واسعاً في المنتظم الدولي. فالعالم بات يبحث عن حلول عملية ومستقرة، وليس عن إعادة إنتاج أطروحات الحرب الباردة. وفي هذا التباين، يكمن الفارق بين خطاب يراهن على المستقبل، وخطاب يظل أسير الماضي.
لم يكن رد عمر هلال في نيويورك مجرد لحظة سجال دبلوماسي، بل محطة كاشفة لمسار أوسع: المغرب يتحرك بثقة متزايدة في الساحة الأممية، مدعوماً بوقائع على الأرض وتحولات في موازين المواقف الدولية. في المقابل، يزداد خطاب الجزائر عزلة كلما ابتعد عن منطق الحلول الواقعية.
بهذا، يمكن القول إن النقاش حول الصحراء المغربية لم يعد سجالاً بين روايتين متوازيتين، بل أصبح اختباراً للمصداقية. والمغرب، كما أثبتت مداخلته الأخيرة، يملك من عناصر القوة ما يجعله قادراً ليس فقط على الدفاع عن موقفه، بل على قيادة النقاش نحو الحل السياسي العادل والواقعي الذي يجسد مبادرته للحكم الذاتي.