جيل زاد، وابتزاز الاعلام الخارجي
منذ أكثر من خمسٍ وعشرين سنة، يستمر الإعلام الفضائي العربي والأجنبي في مقاربةٍ جاهلةٍ أو متجاهلةٍ لكل قضيةٍ حقوقية أو تظاهرةٍ اجتماعية أو تحوّلٍ سياسي ديمقراطي يحصل في المغرب. ونتحدث هنا عن خمسٍ وعشرين سنة مضت من منظومة الجهل المتعمّد والتقصير المستفز من قِبَل الإعلام الخارجي في فهم طبيعة العلاقة بين المغاربة كشعبٍ، والملكية كنظامٍ سياسي وبيعةٍ شرعية ورعايةٍ أبوية وأمانٍ ديمقراطي.
نتحدث عن خمسٍ وعشرين سنة، أي فترة حكم الملك محمد السادس، مع أنني أُحبّذ استعمال مصطلح "سنوات رعاية الملك وحمايته وضمانه لاستقرار المغرب وتطوّره"، لأن فترة حكمه شهدت ما لم يحلم به مغربيٌّ في بلده، أو عربيٌّ أو إفريقيٌّ في وطنه، من تطوّرٍ في البنية التحتية والطاقة البديلة، والاستقرار السياسي، والتعديل الدستوري بالاستفتاء الحر والحضاري، ومدوّنة الأسرة الضامنة لحقوق الطفل والمرأة والأسرة بنسختيها المتطورتين حقوقياً، والانتخابات البرلمانية النزيهة بشهادة مراقبين عربٍ وأجانب، ومن تداولٍ لأحزابٍ مختلفة التوجّهات على السلطة التنفيذية في عهد الملك، والتي انبثقت عن اختيارات الشعب للحزب الأقوى في التصويت على أعضاء الأغلبية البرلمانية.
نتحدث عن خمسٍ وعشرين سنة لم يعرف فيها الإعلام العربي والأجنبي عن المغرب إلا ما كتبه ودونه المغاربة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وشبكات الإنترنت عمّا يحصل داخل البلاد. وهذا إن دلّ على شيء، فإنما يدل على مساحة حرية الرأي والتعبير في شبكات الإنترنت بالمغرب، التي منحتها الدولة للناس "باش يهضرو"، دون أن يُكلّف الإعلام "البرّاني" نفسه عناء فهم الطبيعة الخاصة للشعب المغربي، وأشكال نضاله، وعلاقة البيعة بين الملك والشعب، واستقرار البلاد، والحفاظ على ثوابتها من قِبَل الشعب قبل الدولة نفسها. مما يعني أن الشعب المغربي يتمتّع فعلاً بحرية الرأي والتعبير، لأنه يُعبّر وينتقد ويتظاهر بحرية ضد ما لا يُعجبه.
إلا أن مختلف المحطات المهمة في السنوات الأخيرة، كحراك الريف، وقضية الصحراء المغربية، وحركة 20 فبراير، والاستفتاء على الدستور، تمّت تغطيتها بعيونٍ عربية وأجنبية أسقطت عليها قوالب الشرق الأوسط الموبوء بالعنف والدم، والتي لا تُشبه صورة الملكية المغربية المنفتحة على الديمقراطية والتغيير في عهد الملك محمد السادس.
وفي السنوات الأخيرة تبيّن نفاق ما يُسمّى بالمنظمات الحقوقية الدولية تجاه ملف حقوق الإنسان في الأقاليم الجنوبية. كما تبيّن أن محاكمة بعض الصحافيين في المغرب لم تحصل لأنهم أصحاب كلمة حق ضد الدولة، بل لأنهم تورطوا فعلاً في قضايا شخصية ومخالفات قانونية تستوجب العقوبة. وتبيّن أيضاً أن محاكمة ناشطين سياسيين لم تكن بسبب معارضتهم لسياسات الدولة، بل لتورّطهم في تجاوزاتٍ قانونية صريحة، بين جنحٍ وجنايات، والملفات كثيرة دون حاجة للتسمية.
وبناءً على ما تقدّم، نتساءل: هل أثّر "عواء" الإعلام البرّاني (الخارجي) يوماً على وعي المغاربة بأهمية سلميتهم في النضال الحقوقي والسياسي، وتشبّثهم بملكيةٍ تحفظ حقوقهم وكرامتهم؟ وهل أثّر جهل الإعلام الخارجي على مسار التطوّر السياسي والأمني والاقتصادي والدبلوماسي المغربي؟ الجواب كان دائماً: "دع القافلة الخارجية تعوِ، فقافلة التغيير مستمرة."
واليوم، أمام تظاهرات حركة جيل "زاد"، التي تُعبّر عن وعي جميع الفئات العمرية تجاه الحق في الصحة والتعليم، وهما الملفّان اللذان تعترف الدولة نفسها بأنها ما تزال تبذل الجهود لإصلاحهما، لكنها تتعثّر أحياناً بضعف الكفاءات وأحياناً أخرى بغياب المحاسبة للمسؤولين عن فسادهما.
وبينما رأينا في الأشهر الأخيرة تظاهراتٍ في ولاية لوس أنجلس الأميركية ضد طرد المهاجرين غير الشرعيين، استُعملت فيها الشرطة الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي والقنابل الصوتية، وسمعنا – ولا نزال – في فرنسا عن توقيف مئات المتظاهرين في العاصمة بسبب احتجاجات ضد سياسات التقشّف، نجد الإعلام الأجنبي يتناول هذه الأحداث بموضوعيةٍ وحياد.
في المقابل، يضخّ السموم الإعلامية ضد المغرب في ملف احتجاجات جيل "زاد"، في محاولةٍ لنسف كل خيرٍ وتقدّمٍ واستقرار في المملكة، رغم أن المطلب شبابي وطني واضح، والدولة نفسها تعترف بشرعيته.
فكأنّ بعض الإعلام العربي والأجنبي ينتظر دائماً "جنازةً مغربية" ليشمت فيها بالمغرب دولةً وشعباً. فما إن سمعوا عن أحداثٍ متفرقة لا تمثّل حراك جيل "زاد"، بل حالاتٍ محدودة لقاصرين مغرَّر بهم، حتى خرجت أبواق الفتنة لتُثير الفوضى غير الخلّاقة وغير الأخلاقية ضد استقرار البلاد وصورتها.
أما اليوم، فالمغرب يعيش حياةً طبيعية وسط احتجاجاتٍ شبابيةٍ متفرقة بعد أن وعَت الحركة أهمية النضال السلمي ومنع أي شكلٍ من أشكال العنف والتخريب، لحماية نضالها من التلوّث. وهو ما يُمثّل وعياً وطنياً تجاه إصلاح التعليم العمومي وتطوير المنظومة الصحية. فقد حرّكت الجولات الميدانية الأخيرة لوزير الصحة المواطنين أمام بعض المستشفيات، فتكلّموا بحرقة وصرخوا بأوجاعهم، وتلقّف شبابٌ آخرون هذه الصرخات، محاولين تأطير أنفسهم لتحويلها إلى مطالبٍ ضاغطة في الشارع.
هذا كله خلق ضغطاً على حكومةٍ بقيت طيلة السنوات الأربع الأخيرة في مأمنٍ من المعارضة الشرسة والضغط الشعبي تجاه سياساتها، فاستقوت بحريتها إلى أن جاء دور "الضابط الوطني" أي حراك الشارع، وهو قمة الأداء الديمقراطي في أي دولةٍ مستقرة تسير في مسار التطوّر، وليس سبباً لأي ابتزازٍ إعلامي عربي أو أجنبي لصورة المغرب.
فمن سيُحاضر على المغرب؟! هل الدول العربية الخارجة من وحل الصراعات الداخلية، أو الأنظمة التي تفتقد لأدنى مقوّمات الانتخابات البرلمانية الحرة، أو تلك التي تسنّ قوانين حظر التظاهر لمنع أصوات المعارضة، أو الدول التي لا تملك ربع البنية التحتية للمغرب؟! من أفضل منّا شرق أوسطياً وعربياً في حزمة "استقرار – أمن – اقتصاد" ليُحاضر علينا بما يجب وما لا يجب؟!
وفي النهاية، فإن رسائل الصوت الشبابي بين سن 13 و27 عاماً، لهؤلاء الذين لم يبلغ نصفهم بعد السن القانونية للتصويت في الانتخابات التشريعية الأخيرة، والنصف الآخر "ما زعماش" و"ما تايقش"، فلم يُبادر إلى التصويت، بينما النصف الآخر بلغ اليوم سنّ النضج والوعي وبدأ يتكلم. فـ"زاد" الضغط على استحقاقات التحضير للانتخابات التشريعية القادمة سنة 2026، وجاء الشباب ليُحاسبوا الحكومة الحالية على وعودها السابقة تجاه أهاليهم، إذ لا أحد يقف في ظهرك أكثر من أولادك.
وما عجز المواطن عن نيله بالصبر من حقوق التعليم والصحة في سنواتٍ مضت، جاء الأبناء اليوم ليرفعوا سقف الصبر إلى الصراخ المشروع والمسموع ضد من تغافل عن هذا الحق.
لكن لا يغيب عن ذهن أحد أن من يريد مدرسةً ومستشفى جيدين لا يعني أبداً أنه يُحارب ملعباً جميلاً متطوراً يحتضن أحلام الشعب بالانتصار إفريقياً وأممياً في الرياضة يوماً ما. فالمدرسة يجب أن تكون جميلة، والمستشفى مريحاً، والملعب يليق بنا!
فهل إذا سَرقتَ أو حرمتَ جارك من وظيفته ستحصل أنت على وظيفة؟! بمعنى: هل إذا حاربنا تفوقنا الرياضي في كرة القدم والملاعب النموذجية العمومية ستكبر فرصنا في الحصول على مدارس ومستشفياتٍ تليق بنا؟!
لكل وزارة ميزانيتها، وما صُرف على التعليم والصحة كثير، لكن ما سُرق منهما أكثر بكثير، في ظل غياب الصيانة والمحاسبة والمتابعة والدعم للأطر الصحية والتعليمية، وفي ظل سياسة "حلّ الباب وسير سدّ بابك"، أي سياسة افتتاح المشاريع على يد وزيرٍ أو عاملٍ أو مسؤولٍ، ثم تركها لتتدبّر نفسها بنفسها. لا مساءلة ولا متابعة، لا للعاملين هناك ولا للشركات التي تحرس وتُسيّر وتبتزّ الناس!
فهل لا يدري الوزير أن أغلب شركات الحراسة في المغرب توقّع عقوداً برواتب محترمة للحراس، لكنها تُعطي أقل من الحد الأدنى للأجور في مختلف القطاعات العامة والخاصة، رغم أنها تبرم صفقاتٍ بملايين الدراهم من ميزانية الوزارة؟! فيتحول الحارس إلى ضحية ثم سمسار مع الطبيب والممرض، لإرسال المريض الفقير الذي يسيل دمه إلى مصحةٍ خاصة، بمقتضى "ما عندنا ما نديرو ليك هنايا"!
ألا يدري الوزير أن اكتظاظ الشعب الدراسية، وكثرة الإضرابات، وغياب الجولات التفقدية للمندوبيات الوزارية للوقوف على سير السنوات الدراسية، يزيد من تكلّخ المنظومة التعليمية؟!
ألا يسمع الجميع أن المصحات الخاصة في المغرب تعيش بمنطق "النوار"، أي الأموال السوداء غير المصرّح عنها لجيوب الطبيب والمصحة؟! فماذا ننتظر من المستشفيات العمومية التي "ما عندهاش" أصلاً؟!
ألا يعلم الجميع أن حتى العائلات الميسورة التي تدفع ملايين الدراهم لتعليم أبنائها تشتكي من ضعف التعليم وضعف الكفاءات التعليمية في مدنٍ كبرى أولها الرباط؟ فكيف نتوقّع من المدارس العمومية التي تفتقد للكثير أن تعمل بقدرة قادرٍ على صنع المعجزات؟!
ومع ذلك، ورغم كل ذلك، فقد أظهر المغاربة – كنظامٍ سياسي وأمني وشعبٍ بكل فئاته – في استحقاقات جيل "زاد" أنهم من المغرب وإليه راجعون، متمسكون، رافضون لأي شكلٍ من أشكال العنف في الشارع، ومقتنعون بأهمية الحوار طريقاً للتغيير.
