رافعة اقتصادية لتطوير العلاقات المصرية السورية
يبدو أن النظامين الحاكمين في كل من مصر وسوريا عازمان على تطوير العلاقات بينهما من خلال بوابة اقتصادية واعدة، ومحاولة علاج التباين السياسي والأمني بهدوء وبشكل تدريجي إلى حين حدوث تقارب نوعي في التفاهمات.
وشهد المسار الاقتصادي تطورات مهمة الأيام الماضية، مصحوبة بتقديرات إيجابية، معلنة أو ضمنية، مباشرة أو غير مباشرة، من القيادتين في كل من دمشق والقاهرة.
عبّر الرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقائه مع وفد يمثل غرفة التجارة المصرية، السبت، عن رؤية متقدمة للتجربة التنموية التي شهدتها مصر في السنوات الماضية، وثمّن العلاقات التاريخية الضاربة في عمق التاريخ بين البلدين، وأعاد الاعتبار، بعد تجاهل سابق، لاستضافة مصر مئات الآلاف من السوريين عقب اندلاع الثورة السورية والإشارة للحفاوة الكبيرة التي وجدوها هناك، مشيرا إلى أهمية القوة الناعمة المصرية وتأثيرها في تشكيل وعيّه في مرحلة مبكرة.
يصعب أن تمر تصريحات الرئيس السوري مرور الكرام، لأن رسائلها السياسية ليست خافية، إذ جاءت في خضم تباين مع القاهرة حول طبيعة توجهات دمشق حيال جماعات الإسلام السياسي في المنطقة، وتحظى بمساحة واضحة للحركة داخل الأراضي السورية، وهناك رغبة جديدة في التمييز بينها وبين الجماعات التي تتبنى العنف، بينما الخبرة المصرية أثبت أن مقاربة كل منهما تنبع من رؤية واحدة.
حسما لهذه الإشكالية حاول الرئيس أحمد الشرع جر العلاقات إلى مربع اجتماعي وثقافي عاطفي مضمون إلى حد كبير، واقتصادي يمكن أن يتقدم الفترة المقبلة. فالإشادة بضيافة السوريين تحمل معاني بالعرفان والتقدير والتصحيح، وتستغل المربع الإنساني المترابط نسبيا بين مواطني البلدين، ويمكن أن تسهم في تنقية جانب من الأجواء السلبية التي خلفتها تراشقات بين سوريين ومصريين، بعضهم لهم انتماءات دينية، ولذلك فاللافتة التي رفعها الرئيس الشرع أخيرا تعيد إحياء المشاعر الإيجابية الممتدة بين الشعين، وتلعب على وتر القواسم المجتمعية المشتركة.
كما أن الإشارة إلى مشروعات إعادة الإعمار الواعدة في سوريا، تلقى قبولا من شركات مصرية لها باع طويل في هذا المجال في دول مختلفة، وتسهم في إضفاء مزايا على الاقتصاد المصري، وترسخ دور القاهرة في منطقة تشهد صراعات كثيرة، وتنتظر بعض دولها الدخول في مجال إعادة الإعمار، وتجد مصر فرصة ذهبية في تعزيز دورها في هذا الفضاء، وما تملكه من شركات تملك خبرة طويلة فيه.
جاءت التطورات في الخطاب الرسمي السوري بعد أيام من خطوة مهمة خطتها دمشق والقاهرة، حيث زار وفد اقتصادي سوري مصر، ووقع في الخامس من يناير/كانون الثاني الجاري مع الحكومة المصرية مذكرة تفاهم بشأن تصدير الغاز إلى سوريا، وإعادة إحياء ما يسمى بالأنبوب العربي للغاز، الذي يصل بين مصر والأردن وسوريا ولبنان، وواجه عثرات خلال السنوات الماضية.
يتسق تفعيل هذا الخط مع رؤية القاهرة الراغبة في التحول إلى مركز إقليمي للطاقة. سوريا واعدة في مجال الغاز، ووجودها ضمن الحسابات الإقليمية في ظل علاقات جيدة مع مصر يمنح الأخيرة فرصة لتوسيع نطاق دورها الطاقوي، في وقت تتزايد فيه الطموحات للاستفادة القصوى من غاز شرق البحر المتوسط، وتتوسع التأويلات بشأن التحالفات، والمشروعات التي تتصادم أو تتنافر، ومن يعزز موقعه في سوريا يمكن أن يجني مكاسب كبيرة مستقبلا.
يمثل الرهان على البعد الاقتصادي طريقا مناسبا لدعم العلاقات بين سوريا ومصر في هذه المرحلة. ربما يؤدي التطوير إلى تهدئة سياسية عبر خلق شبكة واسعة من المصالح بين البلدين.
وقد يعيد كلاهما النظر في تصوراته، حتى تنضج الظروف العامة وتقود إلى حلقة منطقية للتفاهم بينهما. فالموقف الذي تنطلق منه دمشق، مهما كانت أسبابه ودوافعه وأغراضه، يصعب فصله عما يدور في البيئة الإقليمية، التي أوجدت تحديات عميقة أمام القيادة السورية، داخلية وخارجية.
بدأت القاهرة تخفيف حدة انتقاداتها لدمشق، أو على الأقل لم تكرر تحفاظتها علانية، ووجدت عملية تعويم النظام الحاكم في سوريا تسير على قدم وساق، وهناك تحولات دولية داعمة للرئيس أحمد الشرع، ومساندة لاستمرار تجربته وتمكينها من النجاح.
يصعب أن تتمسك مصر بموقف سلبي من الرجل، ما يبعدها عن تطوير العلاقات مع سوريا. فثمة دول عدة تقيم علاقات مع دمشق، وأي تأخير مصري عن التجاوب والإصرار على التباعد سوف يمنح آخرين فرصا اقتصادية وسياسية في المستقبل، وهو ما يستوجب مراجعة هادئة، والبناء على نقاط الوصل في العلاقات البينية، وتنحية الخلافات إلى حين الدخول في مرحلة تصحيحة تخدم أهداف الطرفين.
لم تتجاهل مصر الانتهاكات التي تعرضت لها الأراضي السورية من قبل إسرائيل، وتعمدت الإعلان دوما عن التمسك بوحدتها ومنع تفتيتها ورفض الطائفية فيها. وتبنت في ديسمبر/كانون الأول الماضي قرار داخل الأمم المتحدة لتأكيد سورية هضبة الجولان المحتلة، ورفض أي تغيير ديموغرافي تقوم به إسرائيل، الأمر الذي وجد إشادة من دمشق. وهي إشارة بعثت بها مصر لإثبات أن الخلافات لن تؤثر على ثوابتها تجاه سوريا.
يتطلب الملف الاقتصادي ليكون رافعة للعلاقات بين البلدين تجنب التأثير على الشؤون الداخلية لأي دولة، وعدم رعاية أبواق إعلامية ضد الأخرى. وهو ما تنتظره القاهرة من دمشق، وتقوم بوقف احتضان عناصر من جماعة الإخوان المصرية، وعدم منح بعضهم الجنسية السورية ورتبا عسكرية رسمية. وقامت شريحة من السوريين بالتظاهر ضد المواقف المصرية من حرب إسرائيل على قطاع غزة.
في هذا الموقف (التظاهر) انتقد الدكتور حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، في سبتمبر/ايلول الماضي، من تظاهروا ضد القيادة المصرية، لافتا إلى أهمية العلاقات مع القاهرة ما يفسر تلميح الرئيس السوري أخيرا في لقائه بالوفد التجاري المصري لنشأته في بيئة ناصرية (نسبة للرئيس المصري جمال عبدالناصر)، وميول أسرته الإيجابية حيال مصر عموما.
يعد الارتكان إلى عنصر الأب الشرع من الإشارات العاطفية، التي تجد تجاوبا من قبل مصريين، فقد عاش حسين الشرع نحو عامين في القاهرة عقب اندلاع الثورة السورية عام 2011، ولم يتخل عن قناعاته السياسية نحو مصر، بصرف النظر عن النظام الحاكم فيها، الأمر الذي حاول ابنه/الرئيس تثمينه، كنقطة يمكن توظيفها سياسيا، إذ ينطوي التذكير بها على استعادة جزء من ملامح زمن كانت فيه مصر وسوريا جناحين مهمين للأمة العربية.
اكتفت القاهرة بالصمت، حتى ظهر يوم الاثنين، بشأن تصريحات الرئيس أحمد الشرع، لكن اهتمام وسائل إعلام رسمية وشبه رسمية بها يشير إلى حفاوة، وقد يكون التريث في الرد بصورة سياسية بحاجة إلى مزيد من الوقت، وتحويل النوايا السورية الحسنة إلى تصرفات عملية، وربما الاكتفاء بالشق الاقتصادي حاليا والبناء عليه في المرحلة المقبلة. وعندما يتم تجاوز بعض القضايا الحرجة، ولو عبر تسكينها ووضعها على الرف، سيشهد المسار السياسي تحركات تمنح زخما للعلاقات بين مصر وسوريا.