حكومة مصرية جديدة بسياسات قديمة

رئيس الحكومة وغالبية الوزراء فقدوا تركيزهم على مسألة الرضا الشعبي بعد أن انشغلت شريحة واسعة من المواطنين في البحث عن تدبير احتياجاتها بالطريقة السلمية المناسبة.

القاهرة- فقدت شريحة من المصريين شغفها في الانشغال بالتعديلات الحكومية. ويعتبرها كثيرون من قبيل تغيير الوجوه، ولا يملك المشاركون فيها تصورات عملية. لكن إذا تحول التعديل إلى تغيير يشمل رئيس الحكومة وغالبية الوزراء قد يشعر الناس بنفس وروح وزخم جديد، وبالتالي يعتقدون في إمكانية رؤية تغيير في السياسات.

ما حدث يوم الثلاثاء في مصر هو أن مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان) وافق على تعديل في الحكومة الحالية، مع بقاء رئيسها مصطفى مدبولي في موقعه. وحوى التعديل تغيير عدد محدود من الوزراء، ودمج وفك بضعة حقائب وزارية، وعودة وزارة الدولة للإعلام إلى الحكومة، وتعيين وزير مسؤول عن المجموعة الاقتصادية، ووضع ثلاثة نواب لرئيس الحكومة بدلا من اثنين في التشكيل المنتهية ولايته.

لم يحدث هذا التعديل تغييرا واضحا في قناعات المصريين، انسجاما مع الفرضية الخاصة بأن الوجوه الجديدة لا تصنع سياسات جديدة. كما أن رئيس الحكومة (مصطفى مدبولي) المستمر في موقعه منذ حوالي ثمانية أعوام لم يقدم ما يشي بقدرته على إحداث نقلة نوعية خلال الفترة المقبلة.

وطوال السنوات التي شغل فيها منصبه أخفق في تبني إجراءات تؤدي إلى حراك سياسي، أو حراك يغيّر في واقع المصريين الاقتصادي ويشعروا أن شيئا ما إيجابيا طرأ على حياتهم الاجتماعية. وهو أكثر ما يتمنونه بعد أن زالت رغبتهم في المزيد من الحريات العامة، وتقلصت طموحاتهم في المشاركة السياسية الحقيقية.

يؤكد استمرار مدبولي أن الرئيس عبدالفتاح السيسي يمنحه ثقة مطلقة، ولا يرى نقصا في أدائه يقود للاستعانة برئيس آخر للحكومة. وتنبع هذه الثقة من التفاهمات بينهما، وقدرة مدبولي الدقيقة على تنفيذ الأجندة التي يرسمها رئيس الدولة بالطريقة التي يراها. فضلا عن عدم قابليته للاستفزاز وإثارة المشكلات المجتمعية. فالرجل يتسم بالهدوء والقابلية لامتصاص الصدمات، وإجراء توازنات بين متنافرات عديدة.

يحرص الرئيس السيسي على عدم التغيير لمجرد التغيير فقط. ولا يريد التماشي مع ميول ورغبات وأهواء الناس العاطفية، من أجل استرضائهم وكسب ودهم. كما أن استمرار مصطفى مدبولي يعني أنه ورقة مهمة يجب الحفاظ عليها وعدم التفريط فيها مجانا في الوقت الراهن، تحسبا من ظهور تململ في المجتمع بسبب بعض الممارسات الاقتصادية، ومن الممكن التضحية به وتحميله عواقبها السلبية وحده.

يجد بعض الخبراء في تعديل الحكومة المصرية ما يوحي بحدوث تغيير لافت في السياسات. ويتوقف ذلك على، المهام المنوط بها كل وزير، وفحوى خطاب التكليف الذي وجهه رئيس الدولة إلى رئيس الحكومة. وقدرة كل عضو في الحكومة على الاجتهاد خارج الصندوق وتوفير رؤى تفضي لنتائج مختلفة عما اعتاده المواطنون.

يعد التفكير خارج الصندوق من الكبائر في مصر، ما لم يكن جاء بتكليف مباشر من رئيس الدولة، الذي يحرص رئيس الحكومة وكل أعضائها على عدم الإنحراف عن التوجيهات المقدمة إليهم من الجهات العليا. ومن السهل إيجاد ذلك، لأن رئيس الدولة يريد أن يشعر المواطنون بوجود تغيير هذه المرة. وتظل مساحة الاجتهادات محكومة بما يمكن وصفه بـ"المنطقة الآمنة"، والمجالات الهامشية، وعدم التطرق إلى ما يثير مشكلات مع مؤسسات قوية في الدولة اعتادت تسيير أمورها بمفردها.

لا تحتاج الأوضاع في مصر إلى القلق داخل البرلمان في مراقبة الحكومة ومساءلتها، أو الخوف من اعتراضه على تشكيلها. فمجلس النواب الذي يمنح التزكية الشكلية يتكون من أحزاب معظمها مؤيد للحكومة، ولا ترى الأحزاب غضاضة في منح رئيس الحكومة الصك البرلماني بأغلبية ساحقة. ولا يحول وجود أحزاب وأفراد مستقلين معارضين دون الحصول على ثقة برلمان جديد، مارس عمله منذ أسابيع قليلة.

يشير بعض المراقبين إلى أهمية تعيين مسؤول عن المجموعة الاقتصادية بدرجة نائب رئيس وزراء لطبيعة الدور الحيوي الذي تقوم به هذه المجموعة، وتقاطعها مع أوجاع تمس فئة عريضة من المصريين، تنتظر حراكا جيدا في حياتها المعيشية، وعد مصطفى مدبولي بظهوره مع بداية العام الجاري، ولم يجدوا له أثرا حتى الآن.

ويضيف هؤلاء أن هذه الفئة يراودها أمل مع التعديل الجديد في الحكومة في رؤية تطورات إيجابية تخفف عنها معاناة ارتفاع أسعار السلع والخدمات وانخفاض قيمة الجنيه مقابل العملات الأجنبية بسبب التضخم، المسؤول عنه رئيس الحكومة الحالية. فلم تتمكن سياساته من معالجة الكثير من الأمراض الاقتصادية في الفترة الماضية. وما لم يقدم روشتة جديدة تعالج الخلل سريعا لن يحظى برضاء شعبي.

فقد رئيس الحكومة وغالبية الوزراء تركيزهم على مسألة الرضا الشعبي بعد أن انشغلت شريحة واسعة من المواطنين في البحث عن تدبير احتياجاتها بالطريقة السلمية المناسبة. ولا يولي الناس اهتماما كبيرا بأي انعكاسات سلبية لسوء تقديرات التوجهات التي تتبناها الحكومة حيال الأوضاع الاقتصادية المتدهورة.

ويبدو أن الناس باتوا على قناعة بأن الصمت أبلغ حكمة من الكلام. وأن أي اعتراض أو القيام بتصرفات خشنة في هذه الأجواء الحرجة لن يؤدي إلى تحسين الأحوال.

تلعب الحكومة على هذه الزاوية بذكاء شديد، وتستثمر فيها سياسيا كسلاح معنوي للردع. وأوصلت رسالة قاتمة للمواطنين عبر مقارنات مستمرة بين ما تعيشه مصر من أمن وهدوء واستقرار وبين ما تمر به دول عربية مجاورة من صراعات ونزاعات وحروب أهلية، تسبب بعضها في تفتتها وصعوبة استرداد عافيتها مرة أخرى.

تدرك حكومة مصطفى مدبولي القديمة والجديدة هذه الفرضية المزدوجة، وتسعى إلى توظيفها في خططها. وتحمل المصريون الكثير من الإجراءات الاقتصادية التقشفية القاسية وتعايشوا مع رفع مستوى الضرائب بصورة مذهلة وأبدوا قبولا بكل ما أدخل من تعديلات على عدد من القوانين بشكل ضاعف من أزماتهم اليومية.

تتصور حكومة مدبولي الجديدة أن معها ما يشبه الضوء الأخضر لاستمرار إجراءاتها الاقتصادية الصعبة، ولن تجد ممانعة شعبية توقف أهدافها، أملا في الحصول قريبا على الثمار اللازمة لتغيير حياة المواطنين إلى الأفضل.

وإذا أخفقت لن تعدم العثور على وسيلة لتبرير إخفاقها. وقد يكون التدهور الحاصل في الأوضاع الإقليمية والدولية مبررا جيدا لفرملة انتقادات تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وتمتص جانبا من الغضب المكتوم في قلوب وعقول المصريين.

يكمن الخطر في احتمال خروج الغضب عن السيطرة وانفجاره في لحظة معينة، خاصة إذا اشتدت الوطأة الاقتصادية وفشلت برامج الحماية الاجتماعية المتعددة التي تتبناها الحكومة في تخفيف الألم الواقع على كاهل فئة كبيرة من المصريين. يومها سيتأكد المواطنون أنهم أمام حكومة جديدة بثياب قديمة.