مسعود بارزاني يعيد فتح ملفي القانون الانتخابي والمحكمة الاتحادية
أربيل - في تصعيد جديد للأزمة المزمنة بين بغداد وأربيل، وجّه رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني انتقادات لاذعة إلى السلطات الاتحادية، واصفا القانون الانتخابي العراقي بأنه "غير عادل"، ومعتبرا أن المحكمة الاتحادية العليا الحالية لا تمثل المؤسسة الدستورية المنصوص عليها في الدستور.
وجاءت تصريحات بارزاني خلال كلمة ألقاها في مهرجان انتخابي للحزب الديمقراطي الكردستاني، بحضور قيادات سياسية وجماهيرية، لتعيد فتح ملفات حساسة تمسّ جوهر العلاقة بين الإقليم والمركز.
وقال بارزاني إن "كل عملية انتخابية في العراق لها أهميتها، لكننا لم نكن يوماً شركاء حقيقيين في الحكم، ولم نحصل على حقوقنا كمواطنين"، مضيفاً أن الشراكة بين الكرد وبغداد تحولت عبر التاريخ إلى "حملات أنفال وقصف كيمياوي لقرانا"، في إشارة إلى الحقبة المظلمة التي عاشها الإقليم خلال النظام السابق.
وفي سياق نقده للقانون الانتخابي، شدد على أنه "غير عادل ويجب تغييره قبل الانتخابات المقبلة"، موضحاً أن نظام الدوائر الانتخابية الحالي يُضعف تمثيل المكونات الكردية ويُخلّ بمبدأ العدالة الذي نص عليه الدستور العراقي.
وأضاف أن "العراق دولة اتحادية وفق الدستور، وجميع المكونات ينبغي أن تكون شركاء في صنع القرار، لا تابعين لسلطة مركزية تتحكم بكل شيء".
ولم يتوقف بارزاني عند القانون الانتخابي، بل وجّه انتقاداً مباشراً إلى المحكمة الاتحادية العليا، قائلا إنها "ليست المحكمة المنصوص عليها في الدستور"، في إشارة إلى الخلاف القائم حول آلية تشكيلها وصلاحياتها. ويرى الإقليم أن قرارات المحكمة خلال السنوات الأخيرة كانت منحازة لمصلحة بغداد، خصوصاً في القضايا المتعلقة بقانون النفط والغاز، والموازنة العامة، ورواتب موظفي الإقليم.
أزمة تتجدد بأبعاد دستورية وسياسية
وتصريحات بارزاني ليست مجرد موقف انتخابي، بل تعبّر عن احتقان متراكم بين الطرفين بشأن إدارة الدولة العراقية، فبينما تؤكد أربيل أن بغداد تتجاوز مبدأ الفيدرالية وتهمّش دور الإقليم، تصرّ الحكومة الاتحادية على أن جميع قراراتها "تستند إلى الدستور وتضمن وحدة البلاد".
والأزمة بين الجانبين ليست جديدة، فمنذ استفتاء الاستقلال عام 2017 الذي أجرته حكومة الإقليم رغم اعتراض بغداد، مروراً بالخلافات حول قانون النفط والغاز وتوزيع الإيرادات، وصولاً إلى قرارات المحكمة الاتحادية التي أوقفت التحويلات المالية للإقليم، ظل ملف العلاقة بين المركز والإقليم أحد أكثر القضايا تعقيداً في المشهد العراقي.
ويُقرأ خطاب بارزاني الأخير كإشارة واضحة إلى أن الثقة السياسية بين بغداد وأربيل لم تُستعد بعد، وأن الخلافات الدستورية ما زالت تُستخدم كورقة ضغط متبادلة، ففي حين ترى أربيل أن بغداد تحتكر التفسير القانوني للدستور بما يخدم مصالحها المركزية، تعتبر الحكومة الاتحادية أن الإقليم يتصرف أحياناً ككيان شبه مستقل خارج سيادة الدولة.
بين الدعوة للانتخابات والتوجس من التهميش
وعلى الرغم من حدة خطابه، دعا بارزاني أنصاره إلى الهدوء وضبط النفس خلال الحملة الانتخابية، قائلا "حتى إن تم العبث بصوركم أو دعاياتكم، فلا تردوا بالمثل".
لكن خلف هذه اللهجة الهادئة، تُخفي تصريحاته قلقاً عميقاً من استمرار التهميش السياسي والاقتصادي للكرد داخل المنظومة العراقية، فبالنسبة له، لا يمكن لأي عملية انتخابية أن تكون ذات معنى دون "عدالة تمثيلية وشراكة حقيقية في صنع القرار".
ويرى مراقبون أن تصعيد بارزاني يأتي في إطار مساعٍ لاستعادة موقع الإقليم التفاوضي مع بغداد، خصوصاً في ظل خلافات قائمة حول الميزانية العامة، ومستحقات موظفي الإقليم، وقانون النفط والغاز المؤجل منذ سنوات. كما أن توقيت التصريحات، قبل الاستحقاق الانتخابي، يعكس رغبة الحزب الديمقراطي الكردستاني في إعادة توحيد الشارع الكردي خلف مطالبه القومية والدستورية.
أزمة مفتوحة على كل الاحتمالات
ومع غياب حلول وسط، تبقى العلاقة بين أربيل وبغداد عالقة بين الحوار والمواجهة السياسية، فكل طرف يتمسك بتفسيره الخاص للدستور، بينما يظل المواطن الكردي والعراقي على حد سواء رهينة نزاع طويل بين المركز والإقليم.
ورغم دعوات بارزاني إلى انتخابات "هادئة ونزيهة"، إلا أن جوهر الأزمة يكمن في سؤال أعمق لم يُجب عليه منذ عام 2003 وهو هل يمكن للعراق أن يكون دولة فيدرالية حقيقية تتقاسم فيها المكونات السلطة والثروة بعدل، أم أنه سيظل نظاماً مركزياً مغلفاً بشعارات اتحادية؟
وحتى الآن، يبدو أن الإجابة مؤجلة، وأن ملف العلاقة بين بغداد وأربيل سيظل مفتوحاً بانتظار توافق سياسي جديد يعيد تعريف الفيدرالية العراقية من جديد.