قراءة نقدية في أدب إنعام كجه جي: ذاكرة المنفى وأزمة الهوية

أعمال الروائية تتميز بتناولها العميق والمؤثر لتداعيات الحروب والنزوح على الذاكرة والهوية العراقية.

تتميز أعمال إنعام كجه جي، المقيمة في باريس، بتناولها العميق والمؤثر لتداعيات الحروب والنزوح على الذاكرة والهوية العراقية، لاسيما من منظور المرأة المغتربة أو العائدة.

1. ثيمة المنفى والتشظي الهوياتي

المنفى ليس مجرد مكان جغرافي في روايات كجه جي، بل هو حالة وجودية وشعورية عميقة، ويظهر ذلك جلياً في رواياتها المرشحة لجائزة البوكر: "الحفيدة الأميركية" و"طشّاري".

"طشّاري" (التشتت):

أزمة الشتات: كلمة "طشّاري" تعني "متناثرين" أو "متشظّين". ترسم الرواية صورة موجعة لجيل من العراقيين المتنوّرين (خاصة من الأقليات والمسيحيين) الذين هجّروا قسراً، متشتتين في أصقاع الأرض (أستراليا، أميركا، أوروبا).

صراع الذاكرة: تُقدم الرواية شخصيات "تطشّرت" وتعيش بحنين مؤلم، حيث يصبح الحنين "زاد المهاجر". النقد هنا موجه لواقع تسبب في فقدان جيل بأكمله لوطنه، وبحثهم عن "مواقع افتراضية للموت" (فكرة المقبرة الإلكترونية) كبديل للأوطان التي فقدت في الحياة.

"الحفيدة الأميركية":

الهوية المهجنة (المزدوجة): تتناول الرواية أزمة الهوية بتركيز أكبر، من خلال شخصية "زينة بهنام"، الفتاة العراقية الأصل التي تعود إلى بغداد كمترجمة ضمن صفوف الجيش الأميركي.

نقد الانقسام: زينة هي تجسيد للصراع الداخلي: هي أميركية بوجه عراقي، أو عراقية بوجه أمريكي. هي ابنة المنفى التي تقف على خط التماس بين الاحتلال والوطن الأم، وتجد نفسها في مواجهة مباشرة مع أسرتها القديمة والمقاومة الشعبية (مثل أخيها بالرضاعة الذي يقاتل مع "جيش المهدي"). النقد هنا يلامس أعمق جروح العراق: الانقسام الهوياتي والعرقي الذي تستغله الحروب.

2. اللغة السردية والمرأة كشاهد

تعتمد كجه جي أسلوبًا سرديًا هادئًا وعذبًا، ولكنه يخفي تحت سطحه أوجاعًا عميقة، مع تمحور السرد حول الشخصية النسائية.

المرأة كسارد وحامل ذاكرة: في معظم أعمالها، تكون المرأة هي محور السرد، فهي التي تحمل عبء الذاكرة، الحنين، وفشل المشروع الوطني. سواء كانت الطبيبة العائدة في "طشّاري" أو المترجمة المشطورة في "الحفيدة الأميركية"، فإنها تمثل الشاهد والمُتألم الذي يروي التاريخ بعين حميمية ونقدية.

اللغة والحوار: يتميز أسلوبها بالبساطة الانسيابية والرشاقة، مع توظيف ذكي للعامية العراقية في الحوارات، مما يمنح النص أصالة ومذاقاً خاصاً، ويقرب القارئ من مناخ بغداد الذي تحولت فيه "ذكريات القهر وهد الحيل" إلى "طريقة حياة".

3. النقد الاجتماعي والثقافي

كجه جي تنتقد بذكاء المآلات الثقافية للحرب والنزوح:

ثقافة الفقد: تنتقد الروايات تحول البكاء إلى "رياضة" تمارسها النساء بانتظام للحفاظ على "لياقتهن الروحية"، مما يعكس تحول الألم إلى ثقافة راسخة وطبيعية في المجتمع العراقي.

نقد الاستغلال والتبسيط: ترفض كجه جي في حواراتها تنميط الهوية العراقية أو اختزالها في قضايا محددة (مثل نفي المسيحيين)، مؤكدة أن أزمة العراق هي أزمة إنسانية ووطنية شاملة، وأن جميع العراقيين "تعلّقوا بوطنهم وأهلهم"، بصرف النظر عن انتمائهم.

خلاصة النقد في أدب كجه جي

تمثل إنعام كجه جي صوتًا نسويًا سرديًا قوياً يوثّق بعمق مرحلة ما بعد الصدمة في العراق. أدبها هو محاولة لإعادة جمع الأشلاء المشتتة (الطشّاري)، سواء كانت أشلاء الأجساد أو أشلاء الذاكرة والهوية، لتؤكد أن كل بديل للوطن هو وهم وسراب.