هل كُلّه عند العرب صابون؟

المثل الشعبي يكشف أزمة فقدان المعايير في الحكم على القيم والأفكار، حيث تتساوى المظاهر بالجوهر، ويغيب الوعي النقدي في واقعٍ ثقافيٍّ مشوش.

ما زال المثل الشعبي الشهير "كله عند العرب صابون" يتردّد على ألسنة الناس في مواقف الحياة اليومية، فيُقال حين يخلط البعض بين المختلفات، أو حين يفقد التمييز بين الجيد والرديء. ورغم طرافته، فإنّ هذا المثل العفوي يحمل في أعماقه رؤية نقدية لاذعة لواقعٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ مأزوم، يعاني من ضياع المعايير وغياب الدقة في الحكم على الأشياء والأشخاص.

أصل المثل ودلالته
نشأ المثل في زمنٍ كان فيه الصابون من رموز الرفاه والنظافة، إلا أنّ العرب لم يعرفوا أنواعًا متعددة منه، فكان كلّ ما يُستخدم للتنظيف يُسمّى "صابونًا"، بغضّ النظر عن جودته أو مكوّناته.
ومن هنا قيل تهكمًا:
"كله عند العرب صابون"
أي إنّهم لا يُفرّقون بين الشيء النفيس والعادي، ولا بين الغثّ والسمين، فيصبح كل شيء عندهم متشابهًا بلا تمييز.

المعنى الرمزي
حين نقرأ المثل في ضوء واقعنا المعاصر، نجده يعكس خلطًا خطيرًا في القيم والمفاهيم.
فقد اختفى المعيار الحقيقي، وصار الناس يساوون بين المثقف الحقيقي ومن يكرر عباراتٍ محفوظة، والشاعر المبدع ومن يملأ الفضاء بكلماتٍ خاوية، والفنان الأصيل ومن يتاجر بالابتذال.
لقد غابت الفرزات الجمالية والفكرية، فصار الرديء يزاحم الجميل، والمزوّر ينافس الأصيل، وكأنّ المثل القديم ما زال يُحكم المشهد: "كله صابون!"

دلالة اجتماعية وفكرية
يكشف هذا المثل عن أزمة وعيٍ مجتمعيٍّ حين تختلط الأمور ويُمحى الفرق بين المخلص والمدّعي.
إنها نتيجة طبيعية لتراجع التعليم، وضعف الثقافة، وتغليب المظاهر على الجوهر.
فتُصبح الشهرة بديلًا عن القيمة، والضجيج غطاءً على الفراغ، والعنوان أهمّ من المضمون.
وهنا تتكرّس ثقافة المساواة السلبية التي تُلغِي الفوارق، وتُطفئ وهج الإبداع، وتقتل روح التميّز في المجتمع.

إسقاط ثقافي
في المشهد الثقافي العربي اليوم، تتجلّى روح هذا المثل بصورةٍ مؤلمة.
نرى نصوصًا سطحية تُقدَّم كأدب، وأغانٍ خفيفة تُرفع إلى مقام الفن، ومؤثرين بلا علمٍ يُنصَّبون قادةَ رأي.
وفي ظلّ هذا التشويش، تتراجع القيم الجمالية والمعرفية لحساب الشهرة المؤقتة والانتشار الرقمي، حتى غدت الثقافة ساحةً مفتوحةً لكلّ من يملك منصةً لا فكرة.

وهكذا يُعاد إنتاج المثل، لكن بوجهٍ حديث:
"كله عند العرب صابون... حتى الثقافة!"

نحو وعيٍ جديد
الخروج من هذه الدائرة يبدأ بإحياء الوعي النقدي.
فلا نهضة بلا تمييزٍ بين الجميل والقبيح، ولا رُقيّ بلا احترامٍ للفكر والإبداع الحقيقي.
علينا أن نعيد المعايير إلى مكانها:
نُكرِّم من يُتقن، لا من يتصدر.
نُقدِّر من يُبدع، لا من يُقلِّد.
نحتفي بالجوهر، لا بالمظهر.
فالأمم الراقية لا تقول "كله صابون"، بل تسأل: ما نوعه؟ ما قيمته؟ من صنعه؟

قبل النهاية
يبقى المثل الشعبي "كله عند العرب صابون" أكثر من جملةٍ عابرة؛ إنه مرآة نقدية لواقعٍ يتطلّب مراجعةً فكريةً وثقافيةً شاملة.
فالمجتمعات لا تتقدّم بالتشابه، بل بالاختلاف الخلّاق، ولا تُبنى على التعميم، بل على التمييز والوعي.
فلنغسل عقولنا لا بالصابون، بل بالمعرفة والوعي، ولنُدرك أنّ الطهارة الحقيقية تبدأ من الفكر قبل الجسد.