الدكتورعزيز الحدادي: السينما بوصفها فلسفة للصورة وجماليات الوعي
يقدّم الدكتور عزيز الحدادي في كتابه "شروق الجميل في السينما ومأساة النقاد"، الصادر في 119 صفحة، مشروعًا فكريًا فلسفيًا يعيد فيه التفكير في علاقة السينما بالفلسفة والنقد. ويُقسَّم الكتاب إلى أربعة أبواب تضم فصولاً متنوّعة تتناول جدل الصورة والفكر والذوق، وتربط بين الفلسفة بوصفها حبًّا للحكمة، والسينما بوصفها حبًّا للجمال المتجسد في الصورة.
ويؤسس المؤلف رؤيته على فكرة أن السينما هي فلسفةً للصورة ومدرسةً للذوق، فوظيفة النقد السينمائي ليست في تكرار وصف الفيلم أو مدحه، وإنما تحليل أبعاده الجمالية والأنطولوجية، والكشف عن عمق علاقته بالفكر والوجود. إذ يتساءل الحدادي: كيف يصبح الفيلم سؤالاً حول معنى السينما ذاتها؟ وكيف يحكي بالصورة بدلاً من الكلمات؟
وينبّه المؤلف إلى خطر السقوط في النقد الانطباعي الذي يُقصي الجانب الفلسفي والجمالي، ويختزل الفيلم في انطباعات ذاتية سطحية. فالنقد الذي يجهل علم الجمال كما وضع أسسه هيغل في “الاستيطيقا” يفشل في بلوغ جوهر الفن السينمائي. لذلك، يدعو الحدادي إلى نقد استطيقي يُحلّل الصورة في عمقها، لا في مظهرها.
ويميّز الكاتب بين المعنى الأنطولوجي للسينما والمعنى الشكلي لها، حيث يعتبر الصورة كيانًا وجوديًا لا يعيش إلا في العلاقة بين المبدع والمتلقي، فالصورة لديه تجسد فكرةً أو روحًا أو تجربةً إنسانية، وبهذا المعنى، يمنح الحدادي الصورة بعدًا فلسفيًا يجعلها لحظة وجود حيٍّ، تتجاوز حدود الزمان والمكان.
ويستحضرالمؤلف المفهوم الأفلاطوني للجمال بوصفه اقترابًا من المثال الأعلى، ويطرح أسئلة وجودية: هل تمثل الصورة الوجود أم تحاكيه؟ وهل يمكنها أن تتجاوز الزمان والمكان لتشكّل حضورًا دائم التجدد للمعنى؟
وهنا يؤكد د حدادي أن السينما تعيد تأسيس الماضي من خلال الصورة، فتحوّله إلى ذاكرة حيّة نابضة بالحياة.
ويستدعي الكاتب تجربة الدكتور عمر الصديقي في روايته "الخبز الأسود"، حيث يرى أن المقاومة الوطنية ضد المستعمر مادة خام يمكن للسينما أن تعيد خلقها جمالياً، فتمنحها حضورًا متجدداً عبر الأجيال.
ويدعو المؤلف إلى تجاوز المحاكاة السطحية للأحداث، لأن السينما التي تحاكي الماضي دون عمق فلسفي تفقد بعدها الجمالي، فالغاية هي تجسيد روح المقاومة وإيقاظها في الذاكرة الجمعية، لتصبح الصورة تجسيدًا لفكرة الحرية والكرامة.
ويختتم الكاتب كتابه بالتأكيد على أن السينما التي تتناول الذاكرة التاريخية للمقاومة المغربية يجب أن تنطلق من رؤية جمالية وأنطولوجية تجعل من الصورة لحظة استرجاع تأسيسي، فالمقاومة هي فكرة مثالية تتجسد عبر الصورة، وتبني الجسور بين الماضي والهوية والمستقبل.
ويشير الناقد والأستاذ الجامعي في علم الجماليات، الحدادي، في حديث خصّ به "ميدل إيست أونلاين" على هامش فعاليات الدورة الـ25 للمهرجان الوطني للفيلم، إلى أن هذه الدورة عرفت مشاركة أفلام كشفت عن وعي فني جديد يميز جيلاً من المخرجين الشباب.
يبرز الحدادي قدرة هؤلاء الشباب على الارتقاء بالسينما المغربية من مستوى التقنية والمونتاج إلى فضاء اللغة السينمائية الحقة والصورة الشعرية البليغة، بما يمنح الأعمال بعداً تأملياً وإبداعياً أعمق، معتبراً أن هذه الاجتهادات تمثل رصيداً ثميناً للسينما الوطنية.
يؤكد الحدادي أهمية الاستفادة من التجارب الدولية التي أسست مدارس سينمائية رائدة، مثل “الموجة الجديدة” في فرنسا، و”الواقعية الجديدة” في إيطاليا، و”التعبيرية” في ألمانيا، و”الشعرية” في إسبانيا، وهي مدارس انطلقت من رؤى فكرية واضحة أسهمت في تجديد لغة السينما وإغنائها.
يشدد المتحدث على ضرورة إنتاج أعمال تعبر عن الواقع وتنفذ إلى أعماقه، موضحاً أن السينما “تحاكي الواقع لا لمجرد محاكاته، بل للتأثير فيه والمساهمة في تغييره، عبر بناء وعي ثقافي واجتماعي وسياسي وفني متجدد”.
يعتبر الحدادي أن الدعم السينمائي يشكل رافعة أساسية لتطوير الصناعة السينمائية الوطنية، داعياً إلى توجيهه نحو الأفلام التي تساهم في ترسيخ نهضة فنية حقيقية وتدعم حضور السينما المغربية وطنياً ودولياً، حتى تكون سفيراً ثقافياً يعكس غنى الإبداع المغربي وتنوعه.
يذكرأن الدورة الـ25 للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة، والمنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، تُعد محطة وطنية تحتفي بأحدث الإنتاجات السينمائية المغربية وتناقشها مع النقاد والمهنيين والجمهور المهتم بالشأن السينمائي.