الاستعمار الثقافي والتبعية الغربية في السينما المغربية
تطرح السينما المغربية اليوم سؤالًا وجوديًا يتجاوز عقبة الإنتاج والتوزيع والانتشار نحو المعرفة الثقافية الأصيلة التي تؤطر فعل الإبداع ذاته: هل تمتلك السينما المغربية حركاتها الفنية الخاصة؟ وهل تأسست بَعد مدارسها النظرية، ورؤاها في معنى الصورة والهوية والتمثيل؟ إذ تُظهر التجربة التاريخية أن ما تحقق هو تراكم إنتاجي ومجهودات فردية، لكنه لم يتحول بعد إلى مشروع ثقافي مغربي مغربي جماعي يؤسس لمدارس وحركات فكرية تُعرّف السينما المغربية في عمقها التاريخي.
وبينما جاءت البدايات محمولة على هاجس إثبات الوجود، فيما جاءت مرحلة ما بعد الألفية محكومة بمنطق اللحاق والاقتباس، بين تقليد نماذج الدول المتقدمة أو السقوط في توجّهات السوق الدولية التي تبتلع الخصوصيات وتعيد تشكيلها وفق تصنيفاتها الاستهلاكية، كما يفعل المخرج نبيل عيوش المخرجة مريم التوزاني والمخرج هشام العسري والمخرجة اسماء المدير واليوم ظهر المخرج سعيد حميش بن العربي وقس على ذلك في سياقهم...
تبحث السينما المغربية منذ تأسيسها عن ذاتها، لكنها لم تبلور بعد أجوبتها. لذلك أصبح السؤال اليوم ليس عن كمّ الأفلام، وإنما عن معنى أن تكون لنا سينما مغربية بملامح فكرية نظرية تطبيقية، قادرة على صياغة خطاب بصري يتأسس على ثقافة الصورة المغربية المتجذرة في المجال الاجتماعي والثقافي المحليّ. فإذا كانت كُبرى نظريات السينما قد انبثقت من سياقات مغايرة: من هوليوود التي بنت نظرية النوع على اقتصاد النجومية، ومن أوروبا التي بنت الواقعية والشعرية السينمائية على إرث فلسفي وجمالي متراكم، فإن المغرب لا يمكنه أن يستعير نظريات صيغت لغيره ويتوقع منها أن تنتج له هوية. فالنظريات الكبرى لا تناسبنا لأنها وُلدت في تربة ثقافية واقتصادية وسياسية غير تربتنا، ومن الخطأ اعتقاد أن استنساخ الأطر الجاهزة قادر على منحنا صلابة فكرية أو جمالية.
ويدفع الواقع السينمائي المغربي اليوم نحو ضرورة تأسيس مفاهيم نقدية جديدة تتناسب مع المتلقي المحلي الذي لا يشبه متلقي العالم الأول في تمثلاته، وفي ذاكرته البصرية، وفي علاقته بالعالم. لأن المتفرج المغربي ليس نسخة مستنسخة من الجمهور الفرنسي أو الأمريكي أو الايطالي أو الروسي أو الايراني، لأنه بكل بساطة شعب مغربي ابن بيئته، يحمل همومًا اجتماعية ورموزًا ثقافية وتاريخًا سياسيًا خاصًا. لذلك يصبح الخطاب السينمائي المستورد عاجزًا عن إقناع روحه، وفي أحيان كثيرة يظهر كجسم غريب يسكن الفيلم دون أن يتجذّر فيه.
إن المؤسس ليس هو المستنسخ، ومن يبتكر حركة سينمائية جديدة إنما يؤسس للوعي الجمالي لشعب بأكمله، بينما من يكرر تجارب الآخرين إنما يخدم رؤى لا تخصّه.
وتسعى التجربة المغربية إلى التحرر من عقدة المقارنة واللحاق، لكن هذا السعي يحتاج إلى شجاعة فكرية تُعلن عن القطيعة مع التبعية الجمالية الاوروبية و الغربية. فإعلان قيام حركة سينمائية مغربية أصيلة يمر عبر بناء نظريات تليق بهذا المملكة العريقة: ونظريات تتفاهم مع المغرب بوصفه تنوعًا اجتماعيًا ولسانيًا وثقافيًا وروحانيًا، وتتغذى من موروثه الشفهي والطقوسي والديني والإنساني. ويجب أن ترتكز هذه النظريات على التفكير في ثلاث ثورات: ثورة في كيفية السرد، وثورة في بناء الشخصيات، وثورة في المعنى العميق للصورة بوصفها كتابة للحقيقة المغربية وليس استنساخًا لحقيقة الآخرين.
وينفتح المسار كذلك على ضرورة خلق مدارس الأنواع المغربية التي لا تكتفي باستعارة نوع الكوميديا أو الدراما الاجتماعية أو الفيلم السياسي وفق قوالب عالمية جاهزة، وإنما تُؤسس لأنواع منبثقة من سؤال الهوية: ماذا لو أسسنا نوعًا سينمائيًا ينطلق من الشعر الملحون؟ أو من قصص المدن العتيقة؟ أو من الدراما الروحية في علاقة الإنسان المغربي بعوالم الغيب والقدر؟ ماذا لو احتضنت السينما حكايات الأحياء الشعبية وجماليتها التعبيرية عوض الهرب من واقعها؟ إن كل ذلك يمكن أن يشكل أرضية ثقافية تضع المغرب في قلب خريطة السينما العالمية وليس سباق أرانب في هامشها.
وتحتاج السينما المغربية اليوم إلى منظومة نقدية حقيقية تواكب التحولات، وتنتقل من نقد الانطباعات إلى النقد المؤسس للمعنى والمفهوم. إذ لا يمكن لحركة سينمائية أن تتشكل من دون مفكرين يكتبون خطابها ويوجّهون أسئلتها ويفتحون أمامها آفاق الرؤية. لذلك فإن دعوة تأسيس مدرسة ثقافية مغربية في السينما ضرورة حضارية تضمن للسينما أن تمتلك أسباب البقاء والتطور، عوض أن تحيا بشكل استعاري بملامح الآخرين أي في انتظار بازوليني.
وبين تاريخ لم يكتمل ومستقبل لم يأتِ بعد، تقف السينما المغربية على عتبة الاختيار: إما أن تُعلن ولادة حركاتها الأصيلة، وتخلق نظرياتها الخاصة، وتجرؤ على إعادة تعريف ذاتها وعلاقتها بالعالم… أو تبقى في دائرة التبعية، حيث يصنع الآخرون معايير القيمة، بينما يكتفي المبدع المغربي بتقليدٍ فاقد للروح. إن الفعل المؤسِّس وحده يمنح السينما معنى، أما الاستنساخ فليس سوى ظِلّ لا يصلح لإضاءة طريق الإبداع.
وتتأمّل السينما المغربية نفسها اليوم وهي تقف في مفترق طرق ثقافي وجمالي، مفترق يكشف عن أزمة متجذّرة منذ البدايات. فالدول الرائدة في السينما بنت مدارس وحركات فلسفية ووجدت صيغًا نظرية تربط الصورة بالوعي، بينما لم تتمكن السينما المغربية بعد من إنتاج حركة أصيلة تعبّر عن هويتها. السؤال الملحّ هو: لماذا لم تتأسّس حركات سينمائية مغربية بعد؟ ولماذا تبدو كل محاولات التجديد مجرد صور غير مكتملة، وكأن السينما لم تولد بعد بما يكفي من وعي فلسفي وعميق؟
وتحدد السينما المغربية هويتها حين تواجه الواقع الذي تحاول تصويره، ولا تكتفي بتقليد أنماط الغرب أو محاكاة النجاحات الأجنبية. فهويتها الحقيقية تكمن في التعبير عن الإنسان المغربي بكل توتراته، بين الجذور والحداثة، بين الصدام والتفاوض مع الزمن. لأن الهوية رؤية قوية لما يجعل الفرد المغربي كائنًا متفردًا في تجربته التاريخية والاجتماعية، وهي رؤية تحتاج إلى تأسيس حقيقي بعيد عن الاكتفاء بالتقليد.
وستنتج الحركة السينمائية المغربية نظرياتها الخاصة حين تبدأ من التراث والحكي الشعبي والتاريخ المحلي، وتبني لغة جديدة للتعبير البصري. فالنقد المغربي مثلا لا يمكن أن يكون نسخة عن النقد الغربي، وإنما يجب أن يصوغ أدواته الخاصة التي تمكّن من قراءة الفيلم بوصفه وعيًا بالواقع وصورة للوجود، وعندما تتأسس النظرية المحلية، يصبح الفيلم المغربي مصدر للمعنى.
وسيدرك السينمائي أن متلقيه يختلف جذريًا عن متلقي العالم الأول. فجمهور الدار البيضاء أو الرباط يشاهد الفيلم بعين تترقب الإجابة عن أسئلة وجودية حقيقية، بينما جمهور باريس أو نيويورك يبحث عن الجماليات والتقنيات بعد أن حُلت تناقضاته الكبرى تاريخيًا. لذا، تصبح علاقة السينما المغربية بجمهورها علاقة حميمية تحتاج إلى وعي متبادل، وتقديم الفهم قبل المتعة، وبناء جسور اتصال تجعل الصورة المغربية تنبض بالحياة لدى المتلقي المحلي.
وستنوع السينما المغربية رؤيتها حين تتحرر من ضغوط التمويل الدولي الذي يفرض على المنتج أن يكون قابلًا للتصدير. فالإبداع يولد عند حدود المغامرة وعوض حدود الحسابات المالية. والتجارب المستقلة والهامشية هي التي أسست كل الثورات السينمائية في العالم، لأنها تسمح للخيال بالتحليق، وتحرر الجسد والصورة من قيود السوق، وتفتح آفاقًا جديدة لتأصيل حركة سينمائية أصيلة تعكس الواقع المغربي بصدق.
وستؤصل الحركة السينمائية المحلية حين تتجاوز تصوير الواقع السطحي وتبتكر واقعًا مغربيًا خاصًا. فالسينما هي تأسيس لوعي جديد يضع المهمش في مركز السرد، ويرفع الهامش إلى قلب المشهد. والحركة السينمائية الأصيلة تحوّل اللحظة الفردية إلى تجربة جماعية، وتعطي لكل فيلم القدرة على أن يكون جزءًا من مشروع معرفي متواصل، وعوض الحادثة السينمائية المنفصلة.
وستستعيد السينما المغربية تراثها التخيلي والثقافي من خلال الأساطير الشعبية، العيطة، حلقات الساحات، الحكاية الأمازيغية، الصحراء، والروح الصوفية، والتاريخ طويل، وهذا التراث هو رصيد رمزي وجمالي يمكن أن يمنح السينما قوة استثنائية على الشاشة، فالعودة إلى التراث تعني إعادة امتلاك الهوية وتثبيت الأصيل في مواجهة العولمة، وتحويل الذاكرة الجماعية إلى طاقة بصرية حية تنبض في الفيلم.
أمام السينما المغربية اليوم خيار تاريخي مصيري: إما أن تولد كحركة أصيلة متجذرة في هويتها الثقافية والفكرية، وإما أن تبقى تجربة تابعة تكرّر تجارب الآخرين بلا بصمة حقيقية. فلكل شعب لغته الخاصة في الجمال، ولكل ذاكرة طريقتها في السرد، ولكل إنسان الحق في أن يُرى بعيون ذاته. والسينما التي تكتب نفسها بنفسها، وتؤسس لغتها وقواعدها الخاصة، هي وحدها السينما التي سيكتبها التاريخ، ويشهد لها المستقبل بأنها أصيلة ومؤثرة ولو بعد مئة سنة.