'لحم' لديفيد سزالاي تدون سيرة الجسد في مختبر العولمة

الرواية الفائزة بـ'بوكر 2025' للكاتب ديفيد سزالاي تقدم تشريحا إنسانيا واقتصاديا لرحلة رجل مهاجر يتحول جسده إلى رأسمال يُستغل في منظومة العولمة الحديثة. وتُحوِّل سرد الغياب إلى أداة فكرية تكشف اغتراب الجسد والهوية في عصر السوق بأسلوب مقتصد يقوم على الحذف والصمت.

​حاز الروائي الكندي المجري البريطاني ديفيد سزالاي مؤخراً على جائزة "بوكر" المرموقة لعام 2025 عن روايته "Flesh" (لحم)، ليؤكد مكانته كأحد أبرز الأصوات التي تتناول تحولات الهوية والطبقة في أوروبا الحديثة.

 الرواية ليست مجرد قصة حياة رجل واحد؛ إنها تشريح بارد وذكي لعلاقة الجسد البشري بالاقتصاد والمنفى، باستخدام تقنيات سردية تجعل من الحذف والصمت أدوات للتعبير.

​1. الإطار الفني: بلاغة الحذف والتقشف السردي

​يُعد النثر الذي اعتمده سزالاي في "Flesh" بمثابة تحدٍ للرواية التقليدية. إنه يتبنى أسلوباً مقتصداً (Spare) يكاد يكون تقشفياً، حيث يتم تجريد اللغة من العاطفية والإسهاب النفسي، لتبقى قوية ومباشرة.

​أ. الجمالية الإهليلغية (Elliptical Aesthetics)

​تُبنى سيرة البطل إستفان على تقنية الحذف السردي (Ellipsis)، وهو الاختيار الفني الأكثر أهمية في الرواية. حياة إستفان لا تُسرد في خط زمني متصل؛ بل على شكل فصول متقطعة تفصل بينها قفزات زمنية هائلة. إن فترات حياته الأكثر درامية (كفترة الحرب، والسجن، وبداية صعوده المالي) غالباً ما تُترك خارج الصفحة.

​هذا الحذف ليس عجزاً عن السرد، بل هو أداة رمزية: إنه يمثل اغتراب إستفان عن قصة حياته. عندما يتم استهلاك الجسد بالكامل من قبل قوى خارجية (المؤسسة العسكرية، أو متطلبات العمل الشاق)، فإن هذه الفترة لا تُعتبر "ملكاً للذات" تستحق السرد، بل مجرد فجوة صامتة في سجل الوعي.

​ب. النزوع نحو الموضوعية

​يتم تقديم إستفان كمراقب لحياته بدلاً من أن يكون ذاتاً مُتأملة. لا نجد تفصيلاً عميقاً لأفكاره أو مشاعره. ردوده المختزلة (مثل "حسناً" أو "نعم") تجعله أقرب إلى آلة مُنفذة أو وعاء يتلقى المؤثرات. هذا البعد المتعمد يُجبر القارئ على التعامل مع الشخصية ببرود تحليلي، مما يحاكي الطريقة التي يتعامل بها المجتمع الرأسمالي مع العمالة المهاجرة: كأداة لا كروح.

​2. دراسة الشخصية: إستفان.. الضحية والسلعة

​شخصية إستفان هي نقطة التقاء كل الموضوعات النقدية في الرواية. إنه يجسد مفهوم "الجسد بوصفه رأسمالاً متداولاً".

​أ. اقتصاد الجسد (The Economy of the Body)

​العنوان "Flesh" يشير مباشرة إلى الطبيعة المادية والجسدية لجهد البطل. إستفان يمتلك في البداية مصدرًا واحدًا للقيمة: قوته الجسدية. رحلته من المجر إلى الغرب هي رحلة بيع لهذه القوة في سوق العمل العالمي. الجسد هو العملة، وهو أيضاً سجل الصدمات الذي يتحمل آثار العمل الشاق، والعنف، والتكيف مع البيئات العدائية. إن نجاحه المالي لا يحرر جسده من كونه سلعة، بل يغير فقط نوع السلعة التي يشتريها ويبيعها.

​ب. الذكورة الصامتة والمنفية

​يمثل إستفان نموذجاً للذكورة المكبوتة، حيث يُمنع التعبير العاطفي ويُستبدل بـالتحمل الجسدي. صمته هو حصيلة طبقته وخلفيته الثقافية. عندما يُصبح ثرياً في لندن، يظل منفياً عاطفياً داخل ثرائه. المال يفشل في شراء الاندماج الاجتماعي الحقيقي أو تخفيف وحدته. يظل "غريباً" في كل منشأة، يعيش في جيب فاخر من العزلة، مما يؤكد أن الهوية الطبقية والجغرافية أعمق بكثير من أن تُزال بالمال وحده.

​3. التحليل الموضوعي: العولمة والمصير

​الرواية هي نقد لاذع للعولمة من منظور الفرد المهاجر.

​تقاطع الطبقة والهجرة: يكشف سزالاي الازدواجية الطبقية في المجتمعات الغربية. يحظى إستفان بثروة هائلة، لكنه يظل غريباً عن النخبة اللندنية. إنه يرى أن الأصل والطبقة المُتأصلة تفرض قيوداً لا يمكن لـ"المال الجديد" أن يزيلها.

​القدرية الحديثة: حياة إستفان تبدو مدفوعة بقوى خارجية لا يمكنه السيطرة عليها: الحرب، الاقتصاد، الضرورات المالية. إنه ليس سيد مصيره بقدر ما هو شخص يُرمى من دور إلى دور. هذه القدرية الحديثة تُسلط الضوء على هشاشة الفرد أمام ضخامة مؤسسات الدولة والرأسمالية العالمية.

​خاتمة رؤيتي النقدية: "Flesh"... المساهمة الباردة والمؤثرة

​تُعد "Flesh" مساهمة حاسمة في أدبنا المعاصر. عبر نثرها المقتصد وشخصيتها المحورية الصامتة والمادية، تُجبرنا الرواية على التفكير في التكلفة الحقيقية للصعود الاجتماعي والنجاح المادي. إنها عمل مخاطر وجريء يؤكد على أن الرواية يمكن أن تكون قاسية ومقتصدة في لغتها، لكنها لا تزال قادرة على أن تكون مؤثرة بعمق في تحليلها للواقع الإنساني. لقد نجح ديفيد سزالاي في أن يجعل من قصة فرد واحد تشريحًا كاملاً للمصير في عصرنا العولمي.