مسرور بارزاني يوجه رسائل قوية لبغداد وللداخل الكردي

القيادة الكردية تبرز كفاعل يسعى لمنع أي اختلال في التوازن الوطني، مؤكدة أن المرحلة المقبلة ستتطلب وضوحا وثباتا وقدرة على منع تكرار أخطاء الماضي.

ربيل - حذّر مسرور بارزاني، نائب رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني ورئيس حكومة إقليم كردستان، من أي محاولات للتلاعب بمقاعد الكوتا عقب إعلان نتائج الانتخابات التشريعية السادسة في العراق، مؤكداً أن حزبه لن يقبل بأي عبث يطال إرادة الناخبين أو يغيّر ملامح التمثيل الحقيقي للمكوّنات داخل البرلمان.

وجاء تحذير بارزاني خلال تصريحاته للصحفيين، حيث أكد أيضاً انتظار حزبه لنتائج عمل اللجنة المشكّلة من القوى الفائزة بشأن تشكيل الحكومة الاتحادية المقبلة، مشدداً على أن شرط مشاركة الديمقراطي الكردستاني في هذه الحكومة يبقى مرتبطاً بتطبيق الدستور وتنفيذ التزامات بغداد تجاه الإقليم.

هذا الموقف في توقيته ومضمونه يعتبر مدروسا متوازنا يضع تصريحات بارزاني في إطار زمني وسياسي يعكس طبيعة المرحلة التي يمر بها العراق بعد الانتخابات، حيث يتداخل ملف تشكيل الحكومة مع إعادة تقييم لقانون الانتخابات وتوازنات القوى بين بغداد وأربيل.

ومن خلال هذا المدخل الخبري يمكن قراءة تصريحات بارزاني بوصفها جزءاً من معركة سياسية أوسع حول شكل العملية السياسية المقبلة وحدود الشراكة الوطنية.

في جوهر رسالته، ركّز بارزاني على ملف مقاعد الكوتا بوصفه أحد أبرز نقاط التوتر بين الإقليم وبغداد، معتبراً أن جهات سياسية تسعى لتوظيف هذه المقاعد خارج إطارها الطبيعي، وتحويلها إلى أدوات نفوذ بدلاً من تمثيلها الحقيقي للأقليات.

وبالنسبة للقيادة الكردية، فإن المساس بالكوتا يتجاوز حدود المنافسة الانتخابية ليصل إلى محاولة إعادة هندسة التوازن السياسي داخل البرلمان، ما يجعل التصدي له ضرورة لحماية موقع الإقليم داخل المعادلة الوطنية.

مسرور بارزاني يحذر من التلاعب بمقاعد الكوتا ويُعيد ضبط العلاقة مع بغداد

ولا يأتي موقف مسرور بارزاني من فراغ فالرجل الذي قاد باقتدار أصعب مراحل إدارة الأزمة مع الحكومة المركزية وحوّل إلى جانب قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الصعوبات إلى إنجازات، ينطق عن خبرة ودراية بالشواغل العراقية وبما يجري في الغرف المغلقة من ترتيبات تعاكس نتائج الانتخابات وهي ترتيبات تعدها قوى سياسية حرصت ولا تزال على حرمان أربيل من الحقوق التي يكفلها لها الدستور الاتحادي وهي القوى ذاتها التي تعمل حاليا على ترسيخ التوتر والاستمرار على نهج المنظومة السياسية ذاته التي لم تتغير تقريبا في الاستحقاق التشريعي الأخير واحتفظت بمواقعها وان تبدلت بعض وجوهها.

ورسالة بارزاني لا تخلو من تقدير واثق بميل كثيرين للتلاعب بنتائج الانتخابات والدفع لتسميم المشهد السياسي خاصة بعد ما أظهر الاستحقاق التشريعي ثقة عالية في الديمقراطي الكردستاني الذي حقق فوزا كاسحا بتخطيه حاجز المليون صوت "الذهبي".

ولم يكتف بارزاني بالتحذير من التلاعب، بل وضع إصبعه على جوهر الخلل في قانون الانتخابات، مشيرا بوضوح إلى غياب العدالة في توزيع المقاعد، ضاربا مثالاً بحصول الحزب الديمقراطي الكردستاني على أكثر من مليون صوت مقابل 27 مقعداً فقط.

وهذا التفاوت، وفق قراءة بارزاني، يعكس خللاً بنيوياً في القانون يسمح لقوى أقل وزناً شعبياً بالحصول على تمثيل أكبر، ويُضعِف قدرة البرلمان على التعبير عن الإرادة الحقيقية للناخبين.

أما على مستوى العلاقة مع بغداد، فقد أعاد رئيس حكومة الإقليم التأكيد على أن تطبيق الدستور هو الشرط الثابت للديمقراطي الكردستاني للمشاركة في الحكومة المقبلة، في رسالة واضحة بأن الإقليم لن يدخل أي ترتيبات سياسية ما لم تُحسم الملفات العالقة: من النفط والميزانية ورواتب الموظفين، إلى قضية المناطق المتنازع عليها. وهذا الاشتراط يضع سقفاً واضحاً للمفاوضات، ويُعيد ضبط العلاقة مع بغداد ضمن إطار قانوني لا يمكن تجاوزه.

وفي الشق الكردي الداخلي، دعا بارزاني الأطراف السياسية في الإقليم إلى تحمّل مسؤولياتها في تشكيل الحكومة الجديدة، في تلميح يعكس إدراكاً بأن غياب حكومة موحدة سيُضعف موقع الإقليم في مفاوضاته مع بغداد، خاصة في لحظة تتشكّل فيها ملامح المرحلة السياسية المقبلة.

وفي المحصلة، تبدو تصريحات مسرور بارزاني أكثر من مجرد موقف انتخابي، فهي خريطة إنذار سياسي موجهة لبغداد وللقوى الكردية على حد سواء، فمن جهة، يحذّر من العبث بالكوتا ومن محاولات إعادة توزيع القوى عبر القنوات القانونية الهشّة، ومن جهة ثانية، يضع الدستور أساس أي شراكة مقبلة، ويطالب ببيت كردي موحّد قادر على حماية مكاسبه. وبهذه الرسائل، تبرز القيادة الكردية كفاعل يسعى لمنع أي اختلال في التوازن الوطني، مؤكدة أن المرحلة المقبلة ستتطلب وضوحاً، وثباتاً، وقدرة على منع تكرار أخطاء الماضي.