الرياض والدوحة تستكملان مسار التكامل الاقتصادي والأمني

زيارة أمير قطر إلى الرياض ترسم ملامح تقارب سعودي قطري في إطار مساعي تفعيل المصالحة.

الرياض - تعكس الزيارة التي أدها اليوم الاثنين أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى الرياض ومباحثاته مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والتي تركزت على سبل تعزيز التعاون في مختلف القطاعات، عزم البلدين على تدشين شراكة استراتيجية.

ويأتي هذا اللقاء ليُترجم بوضوح المسار التصاعدي للعلاقات الثنائية بعد المصالحة الخليجية، حيث لم تعد العلاقة مقتصرة على استعادة الروابط، بل تحولت إلى مسعى متكامل للتكامل الاقتصادي والأمني، تُوِّج بالاجتماع الثامن لمجلس التنسيق القطري السعودي.

ولعب اتفاق العلا المبرم في العام 2021 دورا بارزا في طي صفحة الخلافات وإعادة العلاقات الدبلوماسية والتجارية والسفر بشكل كامل بين الدول المقاطعة (السعودية الإمارات، البحرين ومصر)، وقطر.

وكانت الدول الخليجية قطعت في يونيو/حزيران 2017 العلاقات مع الدوحة، متهمة إياها بالتقرب من إيران ودعم مجموعات إسلامية متطرفة، الأمر الذي نفته قطر.

وأشاد الأمير محمد والشيخ تميم في بيان صدر في ختام الزيارة القصيرة بالنمو "الملحوظ" في التبادل التجاري، حيث وصل حجمه  إلى 930.3 مليون دولار في عام 2024 باستثناء السلع المعاد تصديرها، وفق وكالة الأنباء القطرية "قنا".

وبحسب المصدر نفسه فإن هذا الرقم حقق نسبة نمو هائلة بلغت 634 بالمئة مقارنة بعام 2021، وهو العام الذي شهد بداية تفعيل المصالحة، ما يؤكد أن قرار إنهاء القطيعة لم يقتصر على الجانب السياسي، بل فك القيود عن تدفق تجاري واستثماري ضخم، فيما شدد الزعيمان على ضرورة تنويع وزيادة التبادل التجاري واستغلال الفرص ضمن رؤية المملكة 2030 ورؤية قطر الوطنية 2030.

وشهدت زيارة الأمير تميم إلى الرياض انعقاد الاجتماع الثامن لمجلس التنسيق القطري السعودي حيث تم الاتفاق على تعميق التعاون في مجالات واسعة ذات أولوية، تشمل تعزيز وتطوير الشراكة الدفاعية وتنسيق المواقف لمواجهة التحديات الإقليمية، مما يرسخ مفهوم "الأمن المشترك".

كما اتفق الزعيمان على تعزيز موثوقية أسواق الطاقة العالمية، وبحث سبل التعاون في مجالات الكهرباء والطاقة المتجددة، مع التشديد على ضرورة أن تركز سياسات المناخ العالمية على الانبعاثات وليس المصادر.

وأهم ما ميز هذه الزيارة هو الترحيب بتوقيع اتفاقية الربط بالقطار الكهربائي السريع بين البلدين. هذا المشروع العملاق يربط الرياض والدوحة مروراً بالدمام والهفوف، ويُعد من المبادرات الاستراتيجية الكبرى، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، ورؤية قطر الوطنية 2030، وبما يسهم في تسهيل حركة السياح والتجارة وتعزيز التواصل بين الشعبين الشقيقين.

ويمثل هذا القطار أكثر من مجرد بنية تحتية ويدل على مساعي تعزيز التكامل الإقليمي لإعطاء دفعة قوية لحركة السياح ورؤوس الأموال، ما من شأنه أن يحول مفهوم المصالحة من وثيقة سياسية إلى واقع اقتصادي وجغرافي.

وفي الشأن الدولي، أكد الزعيمان عزمهما على مواصلة التنسيق وتكثيف الجهود لصون السلم والأمن الدوليين، وتبادلا وجهات النظر حول القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. كما ثمن الجانب السعودي مصادقة قطر على ميثاق المنظمة العالمية للمياه، الأمر الذي يؤكد وحدة الرؤى حول التحديات العالمية المشتركة، وفق المصدر نفسه.

ويرسل اجتماع مجلس التنسيق والاتفاقيات الموقعة، خاصة مشروع القطار السريع، رسالة واضحة بأن التقارب السعودي - القطري دخل مرحلة بناء الشراكة الإقليمية المحورية، مما يعزز من مكانة الدولتين كقوتين دافعتين للاستقرار والتنمية في منطقة الخليج والشرق الأوسط.