القوات اللبنانية تفض اشتباكات بين أنصار حزب الله وخصوم الأسد

اشتباكات بالعصي والحجارة اندلعت بين المشاركين في مسيرة احياء الذكرى الاولى لسقوط الأسد وعدد من أبناء صيدا، الذين ينتمي معظمهم لبيئة سياسية قريبة من حزب الله وحركة أمل.

بيروت - تتجدد مؤشرات الاحتقان الداخلي في لبنان مع كل ارتداد جديد للأحداث السورية، رغم مرور عام على سقوط نظام بشار الأسد وصعود الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع إلى السلطة. وتُبرز الحوادث الأمنية المتناثرة في عدد من المناطق اللبنانية هشاشة الوضع الداخلي وتداخل البعد الطائفي والسياسي مع الصراع الإقليمي، خصوصاً مع بروز التوتر المتعاظم بين الشرع من جهة، وحزب الله من جهة أخرى، وهو الحزب الذي تراجع نفوذه السياسي والشعبي عقب الحرب الإسرائيلية الأخيرة وما خلّفته من خسائر بشرية وميدانية في صفوفه.
وأحدث هذه التطورات وقعت مساء الاثنين في جنوب لبنان، حين تحوّل مرور مسيرة سيارات احتفالية لأنصار الشرع وبينهم لبنانيون وسوريون يقيمون في صيدا إلى شرارة توتر عند مدخل حارة صيدا. وبحسب ما أفادت قناة "الجديد"، فإن إشكالاً استخدمت فيه العصي والحجارة اندلع بين المشاركين في المسيرة وعدد من أبناء المنطقة، الذين ينتمي معظمهم لبيئة سياسية قريبة من حزب الله وحركة أمل. تدخل الجيش حال دون تطور المواجهة إلى اشتباكات أكثر خطورة، لكن المشهد بدا كأنه استعادة لمناخ انقسام طائفي وتجاذب سياسي ظل يتفاعل طوال سنوات الحرب السورية.

وتشير المعلومات التي نقلتها "الوكالة الوطنية للإعلام" إلى أن الإشكال بدأ بتلاسن ثم تحوّل سريعاً إلى تضارب أدى إلى تكسير عدد من السيارات، قبل أن تنتشر قوة من الجيش وتفرض طوقاً أمنياً وتعيد الهدوء إلى المنطقة. إلا أن خلفيات الحادث لا تقل أهمية عن تفاصيله. فالموكب، الذي كان يحتفل بمرور عام على سقوط نظام الأسد، مرّ بمحاذاة مناطق تُعد تاريخياً ركائز للحزبين الشيعيين، ما جعل الاحتفالية تُقرأ في سياق سياسي صدامي أكثر منه تعبيراً عفوياً.
وفي تطور موازٍ، أفادت مصادر محلية بأن مجموعات من مناصري حزب الله وحركة أمل حاولت منع مسيرة بالدراجات النارية مؤيدة للرئيس الشرع من المرور في الشوارع الداخلية، معتبرة أن المناسبة ذات طابع استفزازي في ظل التوتر المتصاعد بين بيروت ودمشق. وكادت الحوادث المتفرقة أن تتحول إلى سلسلة اشتباكات متدحرجة، لولا التدخل السريع للجيش الذي كثّف انتشاره وشكل حزاماً فصل بين الطرفين.
ويأتي هذا المشهد في وقت تشهد فيه العلاقات بين السلطات السورية وحزب الله توتراً غير مسبوق. فالرئيس السوري الحالي أعلن مراراً عزمه على منع أي تهريب للسلاح إلى لبنان أو السماح باستخدام الأراضي السورية كمساحة نفوذ خارجي، في إشارة واضحة إلى تقليص الدور الإيراني ووقف الامتيازات التي كان يحظى بها الحزب خلال عهد الأسد. وتعتبر دوائر سياسية لبنانية أن هذا التغيير في دمشق انعكس مباشرة على القواعد الشعبية للحزب، إذ فقد الأخير أحد أهم داعميه الإقليميين، ما ساهم مع الحرب الإسرائيلية الأخيرة في إضعافه وتراجع حضوره.

وعلى مدى سنوات النزاع السوري، شكّل تدخل حزب الله في القتال إلى جانب الجيش السوري السابق نقطة مفصلية في تاريخ علاقاته الداخلية والخارجية. فالحزب، الذي برّر تدخله باعتباره ضرورة لحماية "محور المقاومة"، انخرط في عمليات عسكرية واسعة داخل الأراضي السورية، مقدماً دعماً مباشراً للنظام السابق. لكن التدخل، رغم أهميته الاستراتيجية بالنسبة للحزب، أسهم في تعميق الانقسام الطائفي داخل لبنان، وفتح الباب أمام توترات سياسية مستمرة مع دول عربية وغربية اعتبرت دوره تجاوزاً لسيادة الدولة اللبنانية.
ومع تغيّر موازين القوى بعد سقوط الأسد، ثم سلسلة الاغتيالات التي طالت عدداً من قيادات الحزب خلال الحرب مع إسرائيل، تقلّص وجوده العسكري في سوريا إلى حد كبير، ما ترك فراغاً في شبكة نفوذه الإقليمي وأعاد تسليط الضوء على وضعه الداخلي المعقد. واليوم يواجه حزب الله ضغوطاً دولية متزايدة، مقرونة بمطالبات لبنانية بنزع سلاحه ودمجه الكامل ضمن مؤسسات الدولة، وسط انقسام سياسي حاد حول هذه المسألة.
وتعكس الأحداث المتكررة في جنوب لبنان هشاشة الساحة الداخلية أمام الصدمات الإقليمية، خصوصاً في ظل التداخل السكاني بين السوريين واللبنانيين، وتعدد الولاءات السياسية والطائفية، ووجود قوى مسلحة تمتلك نفوذاً يتجاوز قدرة الدولة. وبينما يحاول الجيش اللبناني الإمساك بخيوط الأمن ومنع الانزلاق إلى مواجهات أهلية، يبقى الواقع السياسي رهينة تداعيات المشهد السوري، الذي ما زال يلقي بثقله على لبنان رغم تبدّل معادلات السلطة في دمشق.