'ميرا': انكسار سينمائي في مسار مخرج صنع مجده داخل المدينة
يشكّل الفيلم السينمائي المغربي "ميرا" للمخرج نورالدين لخماري لحظة انكسار درامي واضحة في مسيرة مخرج كان يُعدّ من أبرز أصوات السينما المغربية المعاصرة، إذ حاول في هذا العمل الانتقال من جمالية العنف الحضري الخام إلى شعرية الصمت الريفي، لكنه يفشل فشلاً ذريعاً بسبب سيناريو هش، وتناقضات منطقية صارخة، واختيارات فنية منفصلة تماماً عن البنية السردية لهذا الفيلم الذي عرض ضمن فقرة بانوراما السينما المغربية في المهرجان الدولي للفيلم بمراكش.
يُعاني السيناريو من فقدان كلي لقصة محكمة سينمائيا ، إذ يعتمد على خط سردي خطي يخلو من أي شكل من أشكال المقاومة أو الصراع الفعلي، لأن متتاليات المشاهد تبرز صراعات تخلقها الكاميرا و المونتاج وليس الحدث، أي تتحرك البطلة ميرا في عالم خالٍ من العواقب، فنشاهدها تُحرّر الطيور دون أن يلاحقها أحد، وتساعد المهاجرين دون أن تُعرّض نفسها لخطر حقيقي، وتفتح قفص الحمام في النهاية دون أن يُبالي أحد، فنكتشف أن أغلب المشاهد مجرد سلسلة من الأفعال الرمزية المُعلنة مسبقاً، دون أي رهان درامي أو نفسي يُبقي المتفرج في حالة ترقب.
تغيب معظم اللقطات عن رسالتها الضمنية، لأن الرموز التي شاهدناها مثل القفص، الطائر، الغابة، المهاجر، هي كحقائق جاهزة مسبقا، فلم يعد استكشافها كإشكاليات مفتوحة، كما يتحول معظم تكوين اللقطات إلى خطاب أخلاقي غير واضح، ويفتقد التعقيد الذي ميّز أعمال الخماري السابقة، حينما كانت الرمزية تنبثق عضوياً من الواقعية القاسية وليس من فرض جمالي خارجي يحاول ان يكون شاعريا و رمزيا، لكن سقط سقطة مدوية في فصاء سينمائي خالي من المعنى.
ويُثير موقع التصوير تناقضاً جغرافياً عويضا، لأن المهاجرون الأفارقة يقيمون في معسكر مؤقت في ضاحية البلدة وينتظرون الوصول إلى الشاطئ لركوب قوارب الموت. لكن الغابة المصوَّرة تقع في قلب الأطلس المتوسط على الأرجح ، وهذا لا يضيف أي تفسير منطقي لهذا التواجد، وكذلك اللهجة المستعملة لا تناسب سكان تلك المنطقة بطريقة أو بأخرى هناك سقطة في فراغ الفكرة الاساسية للفيلم، وهذا حقيقة يجرد المشاهد من مصداقيتها الواقعية ويُحوّلها إلى صورة هشة.
تُبرز الادوار التي لعبها عمر لطفي واسماعيل فلاحي، غياباً تاماً لمنطق السبب والنتيجة، لأنهما يظهران في مشهدين أو ثلاثة، ويؤديان وظيفة الشر الاجتماعي، ثم يختفيان تماماً دون أن يتركا أي أثر على مسار البطلة، ولا يُهددانها فعلياً، ولا يُعاقبونها، ولا يُواجهونها، كما أن وجودهما يعد تكراراً ميكانيكياً لفكرة الصيادين السيئين دون أي تطوير أو مبرر نفسي أو درامي.
وتُشكّل شخصية الأستاذة "لمياء" التي لعبتها زينب علجي أكبر فضيحة في بناء الشخصيات، لأنها بكل بساطة تتبرز في البداية كمعلمة محترمة، ملتزمة، تُدافع عن حرية الطفلة في التعليم، ثم في مشهد ليلي مفاجئ تماماً، تتحول فجأة إلى راقصة شعبية ترقص مع والدة إحدى التلميذات في حفلة محلية، بدون مقدمات، ولا تفسير، ولا صلة بالصراع الرئيسي إن كان موجودا أساسا، وهذا التحول لا يخدم أي شيء سوى إثبات أن المرأة المغربية قادرة على التحرر بطريقة ساذجة ومسرحية، وهذا يُهين الشخصية ويُهين المتفرج، أليس هي استاذة تعليم ابتدائي؟
وتُقحم الموسيقى الأمازيغية بشكل آلي وغير مبرر درامياً، حينما تظهر المواويل فجأة لتُعلن أن هذا مشهد تأملي، ثم تختفي فجأة دون أن تكون جزءاً عضوياً من السرد أو من حياة الشخصيات، وهذا نشاهده وكأن المخرج أراد أن يُذكّرنا كل خمس دقائق أننا في الأطلس، مع أن الصورة كانت كافية تماماً، بينما يبرز توجيه الممثلين خللاً واضحاً في المنهج الإخراجي، خاصة في المشهد الذي برز مطالبة "ميرا" خاتم بأداء يعتمد حصرياً على الصمت المُعبّر، لكن هذا الصمت يتحول تدريجياً إلى جمود تعبيري يُفرغ الشخصية من مضمون الكفاح.
ويعوّض الممثلون البالغون هذا النقص بالمبالغة الدرامية، خصوصاً فاطمة عاطف وزينب علجي، حينما يتحول المشهد التمتيلي إلى نمط تقليدي لـالحكمة الأنثوية بينما يفتقد الصدق العضوي الذي كان الخماري يستخرجه سابقاً من الممثلين غير المحترفين في أحياء الصفيح، بينما يبرز الإخراج براعة تقنية في ما يخص الصورة وطريقة التصوير السينمائي، إذ يستخدم الخماري لقطات طويلة متحركة داخل الفضاء الغابوي، ويخلق نسيجاً بصرياً غنياً لكن المحتوى فارغ.
ويُفسر هذا الاختلال بطبيعة نورالدين لخماري نفسه، كمخرج ولدت لغته السينمائية في الزقاق والحانة والشارع الحضري العنيف، لكن عندما أُخرج من بيئته الطبيعية ووضع في فضاء ريفي تأملي، فقد أدواته الأساسية، والشعرية التي كان ينتجها سابقاً كانت تنبثق من الوحشية والسرعة والعنف، وليست من الصمت والهدوء، فيُخطئ الفيلم في افتراض أن تغيير المكان كافٍ لتغيير اللغة السينمائية،ـ بينما يُبقي فيلم "ميرا" درساً قاسياً، يكمن في أن حتى أقوى المخرجين يمكن أن يسقطوا عندما يتخلون عن لغتهم الأصلية ويحاولون تقليد لغة لا تناسبهم.