سرد متشعب يكشف هشاشة الإنسان أمام الظروف القاسية في 'النمل'

المخرج المغربي ياسين فنان يضرب ثلاث أمثلة لطبقات اجتماعية مختلفة، ليعرّي سقوط الإنسان أمام امتحانات القدر.

يُعدّ  الفيلم السينمائي "النمل" أحد أجمل الأفلام الروائية المغربية الجديدة ، وأكثرها طموحًا في الشكل والمضمون معًا، إذا ينطلق ياسين فنان من حادثة احتيال بسيطة شهدها بنفسه في وكالة خدمات منزلية بطنجة، فيحوّلها إلى دراما متعددة الطبقات عن هشاشة الوجود الإنساني في مدينة ميناء تبتلع الجميع بنفس السرعة التي تمنحهم فيها الأوهام.

يبني سيناريو الفيلم على ثلاث قصص تتداخل فيما بينها، وثلاث شخصيات رئيسية تتشارك نفس المصير، أي الانهيار المفاجئ، لأن كل واحدة من بنيانهم الحياتي لم تكن صلبة بما يكفي.

يتابع الفصل الأول فيليسيتا (مريم نداي)، مهاجرة من جنوب الصحراء تبحث عن عمل لتغطية تكاليف جنازة صديقتها، فتُمنح فرصة تلو الأخرى، لكنها تفقدها كل مرة بسبب نقص الخبرة أو الثقة الزائدة في الآخرين، ويُقدّمها الفيلم كضحية بريئة تمامًا، وكشخصية لم تُطوّر بعد استراتيجية بقاء حقيقية في مدينة لا ترحم.

ويركز الفصل الثاني على حميد (هشام السلاوي)، الوسيط في سوق الشغل المنزلي الذي يستغل حاجة المهاجرات يوميًّا، لكن الفيلم يقلب الطاولة حين يفقد حميد عمله فجأة بسبب سوء فهم من صاحبة الوكالة، فنكتشف أنه هو نفسه يعيش على القروض والهامش، بدون أي احتياطي مالي أو عاطفي، بينما المستغِل يصبح ضحية بنفس المنطق الاقتصادي الذي كان يستفيد منه.

ويبرز الفصل الثال،  كنزة (نادية كوندا)، زوجة طبيب ثري تركت الصحافة بعد الزواج لتكرس حياتها للبيت والأولاد، فتكتشف خيانة زوجها عبر صورة عفوية على مكتبه، فتنهار كل أوهام الاستقرار التي بنت حياتها عليها، بينما يأتي مشهد الاكتشاف صامتًا تقريبًا، بلقطة طويلة على وجهها فقط، وهو من أقوى اللحظات السينمائية في الفيلم.

ويختار ياسين فنان لغة بصرية خالصة، تكاد تكون صامتة، لأن الحوار قليل جدًّا، وغالبًا ما يكون بلغات متعددة دون ترجمة متعمدة، لأن الصورة والصوت والجسد هي التي تحكي،ـ فتأتي الكاميرا هادئة، بلقطات طويلة وحركات بطيئة، تترك المكان يتنفس: شوارع طنجة المزدحمة، أزقتها، وشاطئها البارد حتى في الصيف، وتُحافظ لوحة الألوان على برودتها رمادي، أزرق داكن، أبيض باهت مثل مشهد الهجرة و الغرق، وهذا يعزز إحساس الشتاء الدائم الذي يعيشه الأبطال نفسيًّا ولا نشاهده نحن في الصورة عموما.

وتمنح مريم نداي شخصية فيليسيتا حضورًا جسديًّا كاملًا خاصة مع تقريب قوة عينيها ووجها بلقطات قريبة جدا، بينما تنتقل نادية كوندا من البرجوازية المطمئنة إلى الانهيار التام في لقطات بين القريبة و القريبة جدا لكنها مدمرة نفسيا، ويُجسد هشام السلاوي عفوية مغربية قوية، يجعل المشاهد يكره حميد أولًا، ثم يشفق عليه عندما يصبح في الهاوية.

ويحافظ الإيقاع الزمني للاحداث على توازن  معقو، بلا ملل ولا عجلة مفتعلة، ويمنح  السرد السينمائي نفسه الوقت لبناء  البداية و العقدة  تدريجيًّا، ثم يضرب في الصميم الحل في الثلث الأخير دون ضجيج أو مبالغة.

وتوجه رسالة السيناريو الخام عامة  النقد الاجتماعي للعنصرية والطبقية واستغلال المهاجرين، ليطرح تأملًا وجوديًّا أعمق في هشاشة الإنسان المعاصر الذي يعيش على افتراض أن الصيف سيستمر إلى الأبد، فليست الشخصيات شريرة؛ هي فقط غير مجهّزة للمنعطفات الحادة التي تأتي دائمًا فجـأة.

ويضع ياسين فنان لغة الصورة في معالجته الرصينة معيارًا جديدًا للسينما المغربية ذات السهل الممتنع، ويبقى  فيلم "النمل" صالح السينما و التلفزيون معان ويُشاهد مرة ويظل حاضرًا في الذاكرة لسنوات، لأن يحكي قصة زمن كامل ينهار فيه كل شيء بسرعة، ولا ينجو إلا من امتلك ما يكفي للصمود في اليوم الأسود.