الصدر يعلق نشاط سرايا السلام 'مؤقتا' تفاديا لصدامات محتملة
بغداد - تسبب إعلان مقتدى الصدر تعليق نشاط "سرايا السلام" وإقفال مقراتها في البصرة وواسط لمدة ستة أشهر في نقاش واسع داخل الأوساط السياسية والأمنية العراقية، بعدما جاء القرار بصيغة غير مسبوقة وبمضمون يتجاوز الإطار التنظيمي البحت. فالخطوة لم تُطرح بوصفها إجراءً إداريًا عابرًا، بل كإشارة صريحة إلى مراجعة عميقة لطبيعة حضور السلاح ودوره وحدوده في مرحلة تتسم بارتفاع منسوب التوتر والهشاشة.
ولم تأتي الخطوة في توقيت عادي، بل تزامنت مع مرحلة عراقية دقيقة تتشابك فيها الحسابات الأمنية مع الضغوط السياسية الداخلية والخارجية. ففي وقت يشهد فيه البلد حساسية مفرطة تجاه أي تحرك مسلح أو خطأ إداري، بدا القرار وكأنه رسالة مزدوجة: الأولى موجهة إلى داخل التيار الصدري، والثانية إلى المشهد السياسي العراقي الأوسع.
وقد كان البيان الصادر عن المكتب الخاص لمقتدى الصدر واضحًا في صياغته، إذ كلّف القيادي تحسين الحميداوي بتنفيذ قرار التجميد الكامل لنشاط السرايا وإغلاق مقراتها في البصرة والكوت لمدة نصف عام، إلى حين معالجة أسباب الخروقات التي أساءت إلى صورتها، سواء صدرت من عناصر محسوبة عليها أو من أطراف أخرى استغلت اسمها. هذا التحديد الزمني، إلى جانب اللغة الحاسمة، أعطى انطباعًا بأن القرار ليس إجراءً شكليًا أو رسالة عابرة، بل خطوة تنظيمية ذات أبعاد عميقة.
ويرى متابعون للشأن العراقي أن ما يميز هذا القرار هو تركيزه على البعد الأخلاقي والانضباطي، أكثر من التركيز على المبررات السياسية أو الأمنية. فالصدر، الذي لطالما شدد في خطاباته على مخاطر الفتنة الداخلية، قدّم هذه المرة نموذجًا عمليًا لرؤيته حول حدود استخدام السلاح، معتبرًا أن أي قوة تفقد انضباطها تتحول من عامل حماية إلى مصدر تهديد.
ومن حيث التأثير، يُعد هذا الإجراء من أشد القرارات التي اتخذها الصدر بحق جناحه المسلح منذ سنوات. فبدل الدفاع عن السرايا أو التقليل من شأن الاتهامات الموجهة إليها، اختار الاعتراف بوجود خلل بنيوي يستدعي التجميد والمراجعة، حتى لو أدى ذلك إلى تعطيل أحد أبرز أذرع التيار. هذا النهج يعكس قناعة بأن استمرار النشاط المسلح دون ضبط صارم قد يجرّ التيار إلى صدامات غير محسوبة العواقب.
وفي المقابل، حرص البيان على عدم تعميم الاتهام، إذ وجّه الصدر تحية خاصة للعناصر التي وصفها بالمنضبطة والواعية، مشيرًا إلى أنها تدرك حجم محاولات التشويه والاختراق التي قد تستهدف السرايا. هذا التفريق بين الملتزمين والمسيئين يعكس محاولة للحفاظ على التماسك الداخلي، ومنع اهتزاز القاعدة الشعبية للتيار نتيجة القرار.
وسياسيًا، يُنظر إلى خطوة التجميد على أنها إجراء وقائي يهدف إلى احتواء أي تجاوز قبل تحوله إلى أزمة وطنية. فالعراق يعيش مرحلة تتقاطع فيها توترات الداخل مع صراعات الإقليم، ما يجعل أي سلوك مسلح خارج السيطرة مادة قابلة للاستثمار من أطراف داخلية وخارجية. ومن هنا، يرى محللون أن الصدر يسعى إلى تحييد تياره عن سيناريوهات التصعيد، وإبعاده عن الانجرار إلى معارك لا تتوافق مع أولوياته.
وتتسق هذه الخطوة مع خطاب سابق للصدر دعا فيه إلى تجنب الفوضى، ورفض الزج بالعراق في صراعات بالوكالة، والتحذير من أي مسار قد يعيد إنتاج الانقسام الداخلي. وفي هذا الإطار، ويبدو تجميد "سرايا السلام" جزءًا من إعادة تموضع أوسع، تهدف إلى الفصل بين العمل السياسي والديني من جهة، والممارسات المسلحة غير المنضبطة من جهة أخرى، خصوصًا في ظل تضييق هامش الخطأ وارتفاع كلفة أي تجاوز.
وقد أثنى محافظ البصرة أسعد العيداني على القرار معتبرًا أن هذه الخطوة تمثل موقفًا مسؤولًا يسهم في ترسيخ هيبة الدولة والحفاظ على سمعة المجاهدين، ويُحبط أي محاولات لاستهداف السرايا أو الإساءة إليها.
وأوضح العيداني، في تصريح صحفي، أن قرار مقتدى الصدر يعكس حرصًا واضحًا على حماية مؤسسات الدولة وصون تضحيات المجاهدين، لافتًا إلى أن هذا الإجراء جاء في إطار التعامل الحكيم مع الأحداث الأخيرة التي شهدتها البصرة، ومنع تعميم تصرفات فردية صادرة عن مجموعة محدودة على مجمل تشكيل سرايا السلام، فضلًا عن تجنيبها الوقوع في دائرة الجدل والتناول السلبي في الرأي العام.
وعلى خط موازٍ، وفي توقيت لا يقل حساسية، أعلنت الحكومة العراقية عن سلسلة إجراءات تأديبية بحق عدد من المسؤولين، عقب خطأ وُصف بالجسيم في الجريدة الرسمية "الوقائع العراقية" الصادرة في 17 نوفمبر/تشرين الاول 2025. الخطأ تمثل في نشر قرار يتعلق بتجميد أموال كيانات إرهابية، متضمنًا إدراج حزب الله اللبناني وحركة أنصار الله الحوثية ضمن القائمة، من دون استكمال الإجراءات القانونية وموافقة الجهات المختصة.
وأوضح مكتب رئيس الوزراء محمد شياع السوداني حينها أن لجنة تحقيق شُكلت فورًا للنظر في ملابسات الحادثة، وأن توصياتها أفضت إلى إعفاء عدد من المسؤولين، وتدوير آخرين إداريًا، مع التأكيد على تحميل المتسببين كامل المسؤولية القانونية. هذه الخطوات عكست مسعى حكوميًا لاحتواء تداعيات الخطأ، ومنع تحوله إلى أزمة سياسية أو دبلوماسية، في ظل تشابك علاقات العراق الإقليمية.
وكان البنك المركزي العراقي قد بادر، مطلع ديسمبر/كانون الاول، إلى إصدار توضيح أكد فيه أن إدراج الاسمين جاء نتيجة سهو غير مقصود، وأن توجيهات فورية صدرت لتصحيح محتوى الجريدة الرسمية. كما شدد على ثبات المواقف السياسية والإنسانية للعراق، وأن ما نُشر لا يعكس التصنيفات الرسمية المعتمدة.
ويرى مراقبون أن التزامن بين قرار الصدر وإجراءات الحكومة ليس محض صدفة، بل يعكس حالة عامة من السعي إلى إعادة الانضباط داخل المشهد العراقي. ففي الوقت الذي يقرر فيه تيار سياسي يمتلك جناحًا مسلحًا تجميده حفاظًا على السمعة، تسارع الحكومة إلى تصحيح خطأ مؤسسي ومحاسبة المقصرين.
وفي المحصلة، تكشف هذه التطورات عن إدراك متزايد لخطورة المرحلة، وحساسية أي خطأ مهما بدا محدودًا. فالعراق يقف عند مفترق طرق يتطلب قرارات حاسمة، وانضباطًا عاليًا، ورسائل واضحة إلى الداخل والخارج. وبين قرار تجميد "سرايا السلام" وخطوات تصحيح المسار الحكومي، تبرز معادلة واحدة تحكم المشهد: لا مجال للفوضى، والمحاسبة والانضباط أصبحا شرطين لا غنى عنهما لعبور هذه المرحلة الدقيقة.