انتاجات تسائل الثقافة الشعبية والهوية المحلية المغربية في دراما رمضان

هل تبحث شركات الإنتاج عن جودة السيناريو وتنوع الوجوه، أم تكرّس فرقاً مغلقة وتُسقط نماذج ثقافية غريبة على مجتمع مغربي متعدّد؟

تعود أسئلة الدراما الرمضانية المغربية كل سنة إلى الواجهة، بوصفها منتجاً تلفزيونياً موسمياً فقط، وباعتبارها مرآة مكثفة لاختيارات ثقافية وفنية واقتصادية تتحكم في الوعي الجماعي للمشاهد. ومع كل موسم، يتجدد السؤال : هل تسير شركات الإنتاج نحو ترسيخ منطق الجودة والتجديد، أم تواصل الاشتغال بالآليات نفسها التي كرّست التكرار، واستنزفت الخيال، وأفرغت الدراما من بعدها المغربي العميق؟

بعد هذا النقاش  منظومة إنتاج كاملة تحتاج إلى مساءلة جذرية، إذ تُهمّشُ الكتابةُ الدرامية داخل كثير من المشاريع الرمضانية، وتُعامل بوصفها مرحلة تقنية قابلة للاختزال، عوض كونها العمود الفقري لأي عمل ناجح. ونلاحظ أن عدداً من السيناريوهات تُكتب تحت ضغط الزمن والبرمجة، فتغيب عنها الحبكة المحكمة، وتتكرر الثيمات نفسها، أي صراعات عائلية سطحية، علاقات مشوهة، وشخصيات بلا عمق نفسي أو اجتماعي. ويكشف هذا الواقع عن غياب استثمار حقيقي في ورشات كتابة، وفي تطوير النصوص قبل دخولها مرحلة التصوير، وكأن الرهان ما زال قائماً على ملء الشبكة الرمضانية، في غياب بناء عمل يبقى في الذاكرة.

وتُكرّسُ اختيارات الكاستينغ منطقاً مغلقاً يعيد إنتاج الأسماء ذاتها، بغض النظر عن ملاءمتها للأدوار أو تطور أدائها. ويُطرح هنا سؤال مشروع حول علاقة بعض المنتجين بممثلين بعينهم، إذ تتحول الشراكة الفنية إلى نوع من الفريق الأبدي القائم على عقود غير شفافة، نصفها مهني ونصفها قائم على المصالح والضمانات، ويؤدي هذا الوضع إلى إقصاء طاقات شابة وممثلين ذوي كفاءة، ويخلق لدى المشاهد شعوراً بالملل، لأن الوجوه تتغير أسماؤها داخل العمل، لكنها تظل تؤدي الشخصية نفسها.

ويُبرّرُ المنتجون اختياراتهم غالباً بمنطق ما يطلبه السوق وما ينجح جماهيرياً، بينما هذا التبرير يخفي كسلاً إبداعياً أكثر من قراءة حقيقية لذوق المشاهد. فالجمهور المغربي، الذي تابع أعمالاً قوية في فترات سابقة، أثبت أنه قادر على التفاعل مع نص ذكي وشخصيات صادقة، متى توفرت الجرأة في الطرح.

إن الخضوع الكلي لمنطق الإشهار ونسب المشاهدة السريعة حوّل الدراما إلى منتج استهلاكي عابر، عوض أن تكون فعلاً ثقافياً يراكم القيمة والمعنى.

وتُظهرُ أعمال كثيرة قطيعة واضحة مع الواقع المغربي، سواء في اللغة أو السلوك أو أنماط العيش، حينما تُسقَط نماذج أوروبية أو مشرقية على بيئة مغربية دون أي تكييف ثقافي. ويبدو الحيّ الشعبي أحياناً نسخة مشوهة من خيال خارجي، وتبدو العلاقات الاجتماعية منفصلة عن القيم المغربية الحقيقية.

ويخلق هذا الانفصال دراما بلا جذور، لا تشبه المجتمع ولا تحاوره، وإنما تفرض عليه صورة مصطنعة عنه.

وتُستَخدمُ مفاهيم الحداثة والانفتاح أحياناً لتبرير التخلي عن الخصوصية الثقافية، فيتم تقديم شخصيات وسياقات لا تنتمي لا إلى التاريخ المغربي ولا إلى واقعه المعاصر، والحال أن الدراما المغربية لا تحتاج إلى استنساخ نماذج أوروبية كي تبدو حديثة، لانها تحتاج إلى وعي عميق بثقافتها، وقدرة على مساءلتها من الداخل، فالهوية هي  شرط الابداع الأساسي.

وتُحتمُ هذه الإشكالات التفكير في مراجعة شاملة لمنظومة الإنتاج، إذ تبدأ بإعادة الاعتبار للسيناريو، وتمر عبر فتح الكاستينغ أمام التنوع والكفاءة، ولا تنتهي إلا بترسيخ وعي ثقافي يجعل من الهوية المغربية منبعاً حيويا. فدراما رمضان هي فرصة سنوية لصناعة أعمال تبين المجتمع المغربي بعمقه وتناقضاته وأسئلته. وبين التكرار المريح والمغامرة الواعية، بينما يبقى الرهان الحقيقي هو الانتقال من دراما تُستهلك بسرعة، إلى دراما تُحترم وتُناقش وتبقى.

ويساهِمُ بعضُ كُتّاب السيناريو والمنتجين، عن وعي أو عن تساهل، في تكريس دراما سريعة الاستهلاك، تضمن مردودية مالية آنية لكنها تفتقد لأي أفق ثقافي أو تاريخي. ونلاحظ أن عدداً من النصوص تكتب بمنطق الطلبوغيلب تام  لمنطق الرؤية، فتُختزل الكتابة في تلبية رغبات المنتج أو القناة، وتُفرَّغ من بعدها الإبداعي والمرجعي.

وصحيح أن هذا المسار قد يحقق أرباحاً ظرفية ويضمن الحضور المتكرر في الشبكات الرمضانية، غير أن التاريخ الفني لا يعترف بالأرقام وحدها، وإنما بما يتركه العمل من أثر في الوعي والذاكرة، إذ إن الدراما التي لا تُراكم المعنى، ولا تُرسّخ الثقافة والهوية المغربية في لغتها وشخصياتها وحكاياتها، محكوم عليها بالنسيان، مهما تكررت مواسم عرضها. فبين ربح سريع وخسارة طويلة الأمد، يظل الرهان الحقيقي على كتابة وإنتاج يؤمنان بأن الدراما المغربية، في رمضان أو خارجه، مسؤولية ثقافية قبل أن تكون صفقة تجارية.