الأمن السوري يطيح بمجموعة من ميليشيا "درع الساحل"

التحركات الأمنية في الساحل السوري تعد جزءا من استراتيجية الحكومة السورية الجديدة لضبط الأمن في مناطق تشهد اضطرابات ذات صبغة طائفية أو يراد لها أن تكون طائفية.

دمشق - شهدت محافظة اللاذقية شمال غرب سوريا، مؤخرًا، تحركًا أمنيًا واسعًا من قبل جهاز الأمن السوري، حيث أعلن عن إلقاء القبض على مجموعة إرهابية يُزعم انتماؤها إلى ميليشيا "درع الساحل"، في عملية وصفتها السلطات بأنها نوعية ومحكمة، تعكس الجهود الحكومية المستمرة لضبط الأمن في مناطق الساحل السوري الغنية بالموارد والتاريخ السياسي.

وأكد مصدر أمني، بحسب مصادر إعلامية سورية، أن من بين الموقوفين الإرهابي الملقب بـ"الملازم عباس"، الذي تورط في أعمال إجرامية وانتهاكات جسيمة، فيما يأتي هذا الإعلان في سياق سلسلة من التوقيفات التي نفذتها مديريات الأمن الداخلي في اللاذقية ومناطق جبلة والقرداحة، والتي طالت أيضًا أشخاصًا متورطين في جرائم حرب وأعمال تحريضية تهدد السلم الأهلي بين أبناء الشعب في محافظتي اللاذقية وطرطوس غرب البلاد.

وقالت وزارة الداخلية السورية، إن هذه العمليات الأمنية جاءت نتيجة "دعوات تحريضية خارجية ذات طابع طائفي"، مؤكدة أن جهودها مستمرة لملاحقة جميع المتورطين الذين تسببوا في حالات فوضى، وأدت أفعالهم إلى سقوط قتلى وجرحى، فضلاً عن الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة.

وتحمل هذه العملية الأمنية العديد من الدلالات، فهي رسالة حازمة للميليشيات المحلية والأطراف الخارجية التي تحاول استغلال الفراغ الأمني والفوضى السياسية في الساحل السوري، وتؤكد أن الحكومة الجديدة قادرة على مواجهة أي تهديد مسلح. كما أنها تظهر عزم دمشق على محاسبة فلول النظام السابق الذين يسعون لإثارة الاضطرابات، خصوصًا في مناطق الساحل التي كانت معقلاً لكبار ضباط نظام الأسد.

وتُعد هذه التحركات الأمنية جزءًا من استراتيجية الحكومة السورية الجديدة لضبط الأمن في مناطق الساحل، فبعد الإطاحة بنظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، دخلت جماعات سورية مسلحة تقودها هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا) العاصمة دمشق معلنين نهاية حكم الأسرة التي استمرت أكثر من خمسة عقود، برزت الحاجة الملحة لدى الحكومة المؤقتة لفرض القانون والنظام، وملاحقة فلول النظام السابق الذين يسعون لإثارة الاضطرابات.

ولم يذكر التقرير الرسمي أي تفاصيل موسعة عن تنظيم "درع الساحل"، إلا أن المعلومات المتوفرة تشير إلى أن هذه الميليشيا أُعلنت رسميا في فبراير/شباط 2025 على يد شخص يُدعى مقداد فتيحة، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أعلن تأسيس "لواء درع الساحل" بهدف حماية أبناء الطائفة العلوية في الساحل السوري.

وتأتي هذه التحركات في وقت حساس، حيث تتزايد المطالب الفيدرالية في بعض المناطق الساحلية، بينما يشير مراقبون إلى أن بعض الميليشيات الجديدة تشكل تهديدًا للأمن والاستقرار، خصوصًا في ضوء التوترات الطائفية والإقليمية.

ويضاف إلى ذلك أن الهجمات على قوات الأمن لم تتوقف، فقد شهد الأحد السابق استهداف مسلحين لعناصر الأمن أثناء حمايتهم مظاهرات في مدن الساحل السوري ووسط البلاد، دعت إليها المرجعية الروحية للطائفة العلوية، والتي طالبت بإقرار "الفيدرالية".

وأسفرت هذه الهجمات عن سقوط أربعة قتلى و108 مصابا بين قوات الأمن والمدنيين في اللاذقية، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه السلطات الجديدة في ضبط الأمن وحماية المدنيين.

ومن الدلالات الواضحة لهذه العملية أنها ترسل إشارات قوية إلى الداخل والخارج: فهي محاولة لتأكيد قدرة الدولة على فرض القانون حتى في مناطق كانت تاريخيًا معقلًا للميليشيات والطائفية، وتوضح أن دمشق لن تتسامح مع أي محاولة لإثارة الفوضى أو استهداف المدنيين وأجهزة الأمن.

كما تشكل هذه الإجراءات رسالة ردع لأي ميليشيات مشابهة أو مجموعات خارجية تحاول التدخل في الشؤون الداخلية، وتعيد توازن القوى في الساحل لصالح الحكومة المركزية.

ويرى محللون سياسيون أن عمليات القبض على ميليشيا "درع الساحل" تأتي في إطار محاولات الحكومة السورية فرض هيبة الدولة، وإظهار القدرة على مواجهة أي تهديد أمني أو مسلح قد يزعزع الاستقرار، خصوصًا في مناطق الساحل الغنية اقتصاديًا، والتي شكلت خلال عقود حكم الأسد مركزًا لقوة الأجهزة الأمنية والعسكرية.

كما تعكس هذه التحركات رغبة الحكومة الجديدة في قطع الطريق أمام أي مجموعات تحاول استغلال الفوضى الأمنية أو التوترات الطائفية لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية.

ومن ناحية أخرى، فإن استمرار هذه العمليات يسلط الضوء على المشهد السوري بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد، حيث لا تزال البلاد تعاني من الفوضى الأمنية، وما تزال بعض المناطق تحت تهديد ميليشيات محلية وخارجية، إضافة إلى التدخلات الإقليمية التي تزيد من تعقيد المشهد. ويشير الخبراء إلى أن قدرة الحكومة على إحكام السيطرة على هذه المناطق ستشكل مؤشراً حاسماً على نجاحها في بناء مؤسسات الدولة، وضمان استقرار البلاد في مرحلة ما بعد النظام السابق.

وتُظهر العمليات الأخيرة ضد ميليشيا "درع الساحل" أن سوريا تمر بمرحلة دقيقة من إعادة البناء الأمني والسياسي، حيث تسعى الحكومة الجديدة إلى فرض النظام، حماية المدنيين، وملاحقة العناصر المسلحة التي تهدد السلم الأهلي، وسط تحديات كبيرة تتعلق بالمجتمع المحلي والمطالب الطائفية والسياسية، وما تبقى من نفوذ فلول النظام السابق.

ونجاح هذه الجهود الأمنية لا يعزز فقط الاستقرار والأمن، بل يرسل رسائل واضحة لكل الأطراف الداخلية والخارجية بأن الدولة السورية الجديدة قادرة على حماية سيادتها والحفاظ على وحدة المجتمع، وهو مؤشر حاسم على إمكانية الانتقال الآمن لسوريا نحو مرحلة ما بعد الصراع.