لطيفة لبصير: استضافتي في غوادالاخارا للكتاب فتحت للرواية المغربية أفاقا جديدة

الروائية المغربية تؤكد في هذا الحوار أن تجربة المكسيك فتحت أمامها عوالم ثقافية جديدة، كونه بلد غني برموزه ومعتقداته، وهذا التلاقح يشكل دون شك نواة لأعمال قادمة، لأن الأدب يولد دائماً من اللقاء مع الآخر.

بدعوة من معرض الكتاب الدولي بغوادالاخارا، شاركت الكاتبة والأكاديمية المغربية لطيفة لبصير في سلسلة من اللقاءات الثقافية والفكرية بالمكسيك، احتفاءً بروايتها "طيف سبيبة"، المتوجة بجائزة الشيخ زايد للكتاب سنة 2025، والتي صدرت ترجمتها الإسبانية ضمن مجلة "بانيبال" في عددها 17 لسنة 2025.

جاءت هذه المشاركة في سياق ثقافي استثنائي، كشف عن حجم التفاعل العالمي مع الأدب العربي، وفتح نقاشاً معمقاً حول الكتابة عن طيف التوحد، وإشكالات الترجمة، والتلاقح الحضاري بين ثقافات متباعدة جغرافياً ومتقاربة إنسانياً.

وفي هذا الحوار المطوّل مع موقع "ميدل إيست أونلاين"، تستعيد لطيفة لبصير تفاصيل هذه الرحلة، وما حملته من أسئلة كبرى حول الأدب، والصمت، والاختلاف.

وفيما يلي نص الحوار:

كيف جاءت دعوتكِ إلى معرض الكتاب الدولي بغوادالاخارا، وما الذي تمثله لكِ هذه المشاركة؟

الدعوة جاءت بعد تواصل مباشر من المديرة التنفيذية لمعرض الكتاب بغوادالاخارا، إتزيل سانشيز، التي أبدت اهتماماً خاصاً برواية "طيف سبيبة" وبالموضوع الذي تشتغل عليه، وهو طيف التوحد. منذ اللحظة الأولى، كان النقاش منصباً على اختيار المحاور الأقرب إلى هذا الموضوع المتشعب، بما يسمح بفتح حوار ثقافي حقيقي، لا مجرد تقديم تقليدي لعمل أدبي.

 تم اختيار الكاتب المكسيكي بيف فيرنانديز محاوراً لكِ، لماذا هذا الاختيار بالتحديد؟

 وقع الاختيار على بيف فيرنانديز لقرابته الثقافية والإنسانية من موضوع التوحد، فهو سبق له أن أنجز عملاً موجهاً للأطفال على شكل مانغا، يروي فيه تجربته الشخصية مع ابنته المصابة بطيف التوحد، بعنوان "هابلة ماريا، وهذا التقاطع بين التجربة الحياتية والكتابة الإبداعية خلق أرضية مشتركة للحوار، وجعل اللقاء أكثر عمقاً وصدقاً.

جاءت هذه المشاركة أيضاً بعد ترجمة الرواية إلى اللغة الإسبانية، كيف تم هذا المسار؟

 بالفعل، ترجمة "طيف سبيبة" إلى اللغة الإسبانية شكلت منعطفاً مهماً في مسار الرواية، بينما الترجمة أنجزها المترجم الإسباني أنطونيو مارتينيز كاسترو، وأشرف عليها الكاتب والناشر صموئيل شمعون رفقة زوجته البريطانية مارغريت أوبانك، اللذين قاما بإصدارها ضمن مجلة "بانيبال"، وهذا العمل يدخل ضمن مشروع ثقافي أوسع تسعى من خلاله المجلة إلى نقل الأدب العربي إلى لغات وثقافات أخرى.

 كيف تقيمين دور صموئيل شمعون ومارغريت أوبانك في هذا السياق؟

ويعود لهما فضل كبير في هذا الحضور، ليس فقط من حيث الترجمة، بل من حيث الإيمان بالأدب العربي وتقديمه كصوت إنساني قادر على العبور، وهذه المبادرات تشكل تشريفاً للأدب المغربي، وتمنحه فرصة التفاعل مع ثقافات تختلف عنا في العادات والتقاليد، لكنها تلتقي معنا في الأسئلة الإنسانية الكبرى.

 شاركتِ في حوار بعنوان "خلق العوالم والعيش في صمت"، كيف تم تناول موضوع طيف التوحد في هذا اللقاء؟

كان الحوار محاولة لاستنطاق تجربة الإبداع في حقل بالغ الحساسية، إذ أن الكتابة عن طيف التوحد كانت بالنسبة لي أكثر غرابة من التخييل ذاته، لأننا أمام عالم يبدو غير مرئي، وكأنه غير حقيقي أمام أشكال الكتابة التقليدية، بينما تفاصيل العادات اليومية، وسرد الأخت لعالم أخيها المختلف، تجعل القارئ أمام واقع يتحدى التصنيف.

كيف وازنتِ بين المعرفة العلمية والخيال الأدبي في الرواية؟

الرواية قامت على مزاوجة بين المعرفة العلمية، والتجربة الميدانية، والبعد الإبداعي، وكان السؤال الأساسي هو: كيف نكتب الصمت؟ كيف نستخرج المعنى من السكون؟ كثير من التجارب الإنسانية تعيش في الظل، ويخجل أصحابها من الحديث عنها، وهنا يأتي دور الأدب في منحها صوتاً.

 شهد اللقاء قراءة مشتركة من الرواية، كيف كان وقعها؟

 قرأتُ فصل "رسالة سبيبة إلى الأطفال" بالتناوب مع بيف فيرنانديز، أنا بالعربية وهو بالإسبانية، بينما كان الحوار يُدار باللغة الفرنسية مع ترجمة فورية، وهذا التعدد اللغوي خلق جواً مؤثراً ومبهراً، ولاحظتُ تفاعلاً كبيراً من الحضور.

كيف تفاعل الجمهور مع موضوع الكتابة عن التوحد؟

 النقاش كان عميقاً وفاعلاً، إذ طُرحت أسئلة حول إمكانية الكتابة الإبداعية عن موضوع له خصوصيته العلمية، وحول الإشكالات التي يطرحها هذا النوع من السرد، إضافة إلى تساؤلات حول ما يمكن للأدب أن يضيفه لتجارب إنسانية اعتادت الصمت.

كيف تصفين أجواء معرض الكتاب ب غوادالاخارا؟

هو معرض استثنائي بكل المقاييس، فالطلبة يحضرون بكثافة، يقرؤون داخل الأروقة، ويفترشون الأرض بالكتب، وهذا المشهد وحده كافٍ ليعطي معنى عميقاً للمحبة الكبرى للكتاب، حتى عبر العين التي تلتقط هذه الصور المعدية.

كان لكِ لقاء آخر مع الطلبة في مكتبة إلينا بونياتوفسكا، ماذا حمل هذا اللقاء؟

تمت دعوتي من طرف شعبة التواصل بريبا 10، وكان الاستقبال مؤثراً جداً، حينما قدم الطلبة احتفاءً غنائياً، وزُيّنت القاعة باسم الرواية والعلم المغربي، كما أن الحوار تناول مساري العلمي والإبداعي، وأسباب كتابة الرواية، وجائزة الشيخ زايد، وكيفية التوفيق بين التدريس الجامعي، والكتابة، ودوري كأم.

طُرح أيضاً سؤال الترجمة وحدودها، كيف تنظرين إليه؟

الترجمة ضرورية، لكنها لا تنقل كل شيء، فأسماء الشخصيات مثلاً تحمل دلالات في اللغة العربية، مثل هبة وراجي وراضي وسبيبة وآمال، لكنها حين تُترجم تفقد هذه المعاني، وهذا يطرح سؤالاً كبيراً حول قدرة الترجمة على نقل عمق الإبداع كما هو.

كيف تقيمين الجانب الدبلوماسي والثقافي لهذه الرحلة؟

 تمت استضافتي من طرف السفير المغربي في المكسيك عبد الفتاح اللبار في جلسة أدبية وثقافية، تلتها مأدبة عشاء، وهذا اللقاء كشف عن احترام كبير للثقافة، وفتح آفاق مشاريع مستقبلية، وهو ما يعكس دور الدبلوماسية الثقافية في مد الجسور بين الشعوب.

 التقيتِ أيضاً مثقفين من بلدان أخرى؟

نعم، التقيتُ بعدد من المثقفين، من بينهم الكاتب الفلسطيني سامر أبو هواش، والكاتبة القطرية هدى النعيمي، والمترجم الفلسطيني شادي روحانا وزوجته مارسيلا، وهذه اللقاءات تجسد فعلياً معنى الانفتاح الثقافي وتبادل الخبرات.

ماذا أضافت لكِ هذه الرحلة؟

هذه التجربة فتحت أمامي عوالم ثقافية جديدة، المكسيك بلد غني برموزه ومعتقداته، وهذا التلاقح سيشكل، دون شك، نواة لأعمال قادمة، لأن الأدب يولد دائماً من اللقاء مع الآخر.