عودة الحكومة السودانية إلى خرطوم بعد انكفاء طويل في بورتسودان

الخطوة على ما تحمله من أبعاد سياسية رمزية لا تخلو من تحديات ولا تعكس حقيقة قدرة الجيش السوداني على استعادة السيطرة على العاصمة.

الخرطوم - أعلن رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس الأحد، عودة الحكومة رسمياً إلى العاصمة الخرطوم، للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل/نيسان 2023، في خطوة تحمل دلالات سياسية وأمنية تتجاوز طابعها الإداري، وتؤشر إلى مرحلة جديدة في مسار الصراع وترتيبات ما بعد المعارك الكبرى داخل العاصمة.

وجاء الإعلان خلال كلمة ألقاها إدريس فور وصوله إلى الخرطوم قادماً من بورتسودان، التي اتخذتها الحكومة مقراً مؤقتاً عقب اندلاع الحرب. وقال رئيس الوزراء إن "حكومة الأمل" عادت إلى العاصمة القومية، متعهداً بتحسين الخدمات الأساسية وإعادة إعمار المستشفيات وتأهيل المدارس والجامعات، وعلى رأسها جامعة الخرطوم، إلى جانب تعزيز الأمن وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

وتزامنت العودة مع تأكيد إدريس أن موازنة عام 2026 قُدمت "دون أعباء إضافية على المواطن"، وتهدف إلى خفض نسبة التضخم إلى 70 في المئة، مقارنة بآخر رقم رسمي بلغ 74.2 في المئة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، إضافة إلى رفع معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي إلى 10 في المئة، ومحاصرة سعر الصرف في السوق الموازي. كما وصف العام الحالي بأنه "عام السلام"، في إشارة إلى تطلع الحكومة لتثبيت الاستقرار بعد أكثر من عامين من الحرب.

وتمثل عودة الحكومة إلى الخرطوم من الناحية السياسية محاولة واضحة لإعادة ترسيخ مركزية الدولة واستعادة رمزية العاصمة، بعد فترة طويلة من الغياب فرضتها المعارك والدمار الواسع. وتأتي هذه الخطوة بعد إعلان الجيش، في مايو/أيار الماضي، إكمال سيطرته على العاصمة وخلوها من "قوات الدعم السريع"، ما منح السلطة الانتقالية هامشاً أوسع للتحرك سياسياً وإدارياً.

وتُقرأ العودة أيضاً في سياق سعي المؤسسة الحاكمة إلى تحويل المكاسب العسكرية إلى وقائع سياسية على الأرض، عبر إعادة تشغيل مؤسسات الدولة من قلب العاصمة، وإرسال رسالة داخلية وخارجية مفادها أن الحكومة استعادت زمام المبادرة، وأن مرحلة الانكفاء إلى بورتسودان كانت ظرفية وليست خيارا دائما. كما تعكس الخطوة محاولة لطمأنة المواطنين بوجود سلطة مركزية قادرة على إدارة شؤون البلاد من مقرها الطبيعي.

في المقابل، لا تخلو هذه العودة من تحديات كبيرة، أبرزها الواقع الأمني الهش وحجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية في الخرطوم، فضلاً عن تعقيدات الوضع الإنساني والاقتصادي، فالحرب المستمرة منذ 2023 أودت بحياة عشرات الآلاف، وتسببت في نزوح نحو 13 مليون شخص، وأدخلت البلاد في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. كما لا تزال قوات الدعم السريع تسيطر على إقليم دارفور بالكامل، ما يعني أن الصراع لم يُحسم على المستوى الوطني.

وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه القيادة السياسية والعسكرية إلى إعادة ترتيب المشهد الداخلي، مستفيدة من سيطرة الجيش على معظم ولايات الجنوب والشمال والشرق والوسط، حيث يعيش غالبية سكان السودان، غير أن استمرار الحرب في دارفور، والانقسام الجغرافي، يفرضان قيوداً على أي حديث عن استقرار شامل أو سلام قريب.

وتمثل عودة الحكومة إلى الخرطوم خطوة سياسية ذات رمزية عالية، تعكس محاولة للانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق إعادة بناء الدولة، غير أن نجاح هذه الخطوة سيظل مرهوناً بقدرة الحكومة على ترجمة الوعود إلى إجراءات ملموسة، وتحقيق حد أدنى من الاستقرار الأمني، وفتح مسار سياسي أوسع يعالج جذور الصراع، لا الاكتفاء بنتائجه العسكرية.