تهديدات كتائب حزب الله دعما لايران تنذر بزجّ بغداد في صراع إقليمي

موقف الميليشيا بالرد على واشنطن في حال شنت هجوما على طهران لدعم المحتجين الايرانيين المناهضين للنظام يكشف بوضوح طبيعة الاصطفاف الإقليمي للفصيل، متجاوزاً مبدأ السيادة العراقية.
الميليشيات تقدم الصراع مع واشنطن بوصفه معركة وجودية لا علاقة لها بحسابات الدولة العراقية

بغداد - تعكس المواقف الأخيرة الصادرة عن فصائل مسلحة عراقية موالية لإيران حجم التشابك الخطير بين القرار العراقي غير الرسمي وبين الأجندة الإقليمية لطهران، في وقت يمر فيه العراق بتحديات أمنية واقتصادية معقدة لا تحتمل الانخراط في صراعات خارج حدوده. فقد أعادت تهديدات كتائب حزب الله العراقية بالرد على أي هجوم اميركي قد تتعرض له إيران فتح ملف خطير يتعلق بتوظيف السلاح خارج سلطة الدولة، وما يترتب على ذلك من مخاطر مباشرة على الأمن القومي العراقي وعلاقاته الدولية.
وأطلق الأمين العام لكتائب حزب الله، أبو حسين الحميداوي، في بيان له مساء الاثنين خطاباً تصعيدياً كشف بوضوح طبيعة الاصطفاف الإقليمي للفصيل، متجاوزاً مبدأ السيادة العراقية ومصالح البلاد العليا. وقال في البيان "نشهد اليوم صفحة جديدة من الصراع بين جبهتي الحق والباطل، فجبهة الحق واضحة المعالم، مشخّصة الهوية، كما أن جبهة الباطل قد عرفها العالم أجمع، وشخص سلوكها الإجرامي ونهجها العدائي تجاه الشعوب الحرّة الرافضة للعنجهية الإمبريالية، فلم يسلم من بطشها وجورها إلّا من ارتضته أداة لتحقيق أهدافها الشيطانية الخبيثة".
ويمثل هذا الخطاب، وفق مراقبين، امتداداً للنهج الأيديولوجي العابر للحدود الذي تتبناه تلك الفصائل، حيث يتم تقديم الصراع مع الولايات المتحدة بوصفه معركة وجودية لا علاقة لها بحسابات الدولة العراقية أو أولويات شعبها. وواصل الحميداوي حديثه بالقول إن "رأس جبهة الباطل يمضي في إعداد العدّة لاستهداف الجمهورية الإسلامية في إيران، وإن الواجب الشرعي والأخلاقي يحتّم على المجاهدين الوقوف بما أوتوا من قوة إلى جانب الشعب الإيراني، فالدفاع عن حرم الجمهورية الإسلامية إنما هو دفاع عن مقدسات الأمة".
ولم يكتف البيان بإعلان الدعم، بل حمل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة، في تصعيد ينذر بتداعيات خطيرة، إذ قال:
"وللعدو الأميركي نحذر: إن الحرب على إيران ليست نزهة، بل هي نار إذا أضرمت فلن تُطفأ، وستدفعون ثمناً مضاعفاً عما يطمح إليه سيدكم الجشع من مكاسب".
هذه التصريحات تأتي في وقت تشهد فيه إيران اضطرابات داخلية متصاعدة، بدأت باحتجاجات للتجار في طهران على خلفية الانهيار الحاد للعملة المحلية، قبل أن تمتد إلى مدن ومحافظات عدة، مخلفة قتلى وجرحى ومئات المعتقلين. وبينما تصف السلطات الإيرانية ما يحدث بأنه "مؤامرة خارجية"، تتزايد الانتقادات الدولية لأسلوب التعامل الأمني العنيف مع المتظاهرين.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب هدد السلطات الإيرانية بعمل عسكري في حال واصلت قتل المتظاهرين السلميين.
وفي هذا السياق، تتداول أوساط المعارضة الإيرانية معلومات عن استعانة طهران بعناصر من ميليشيات عراقية موالية لها للمشاركة في قمع الاحتجاجات، في مؤشر جديد على اعتماد النظام الإيراني على قوى مسلحة عابرة للحدود لتثبيت سلطته. وتشير تقارير إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها إيران إلى هذا الخيار، إذ سبق أن استخدمت الفصائل نفسها في الساحة السورية لدعم نظام بشار الأسد.
وتفيد مصادر مطلعة بأن العناصر التي يجري الحديث عن مشاركتها تنتمي إلى فصائل معروفة بولائها الكامل لإيران، من بينها كتائب حزب الله، وحركة النجباء، ولواء سيد الشهداء، ومنظمة بدر. وتؤكد المعلومات أن هذه التشكيلات تلقت توجيهات مباشرة للمساهمة في مهام أمنية تتعلق بتفريق المحتجين وملاحقة الناشطين.
ويرى محللون عراقيون أن هذا التورط يحمل مخاطر جسيمة على العراق، إذ يضعه عملياً في قلب الصراع الإيراني–الأميركي، ويعرضه لاحتمال ردود فعل عسكرية أو عقوبات سياسية واقتصادية، في وقت يسعى فيه إلى تثبيت الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة. كما أن استمرار الفصائل المسلحة في تبني سياسات خارجية مستقلة يقوض هيبة الدولة ويضعف قدرتها على التحكم بمصيرها الأمني.
ويحذر هؤلاء من أن تحويل العراق إلى ساحة رسائل متبادلة بين أطراف إقليمية ودولية لن يؤدي إلا إلى استنزاف موارده وتعريض أمنه الداخلي لمزيد من الهزات، مؤكدين أن كبح نفوذ الميليشيات وإخضاع السلاح لسلطة الدولة بات شرطاً أساسياً لحماية الأمن القومي العراقي ومنع انزلاق البلاد إلى صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل.