فرحة عارمة تغمر المغرب عقب التأهل لنهائي أمم افريقيا

المنتخب المغربي يكسر عقدة كأس إفريقيا ببلوغ المباراة النهائية للمرة الثانية في تاريخه والأولى في 22 عاما الأخيرة، عقب فوز صعب على نيجيريا بضربات الجزاء ليضرب موعدا مع نظيره السنغالي في المباراة النهائية.
المغرب يحجز بطاقة العبور إلى نهائي أمم افريقيا

الرباط – عمّت فرحةٌ عارمة مختلف مدن المغرب ليلا لحظة إعلان صافرة النهاية وفوز المنتخب المغربي على نظيره النيجيري بركلات الترجيح 4/2 وتأهله إلى نهائي كأس أمم إفريقيا، إذ تحوّلت الشوارع والساحات العمومية إلى بحرٍ من الأعلام الحمراء والزغاريد والأغاني الوطنية.

في الرباط والدار البيضاء وطنجة ومراكش وفاس ووجدة وسائر المدن والقرى، خرج الآلاف تلقائياً إلى الفضاءات العامة، يعانقون بعضهم بعضاً، ويرددون الهتافات باسم "أسود الأطلس"، في مشاهد جمعت بين العفوية والعاطفة الجارفة. لم تكن الفرحة مجرد احتفال رياضي، بل لحظة شعور جماعي بالفخر والانتماء، اختلط فيها الأمل بالاعتزاز والحنين باندفاعٍ نحو المستقبل. امتلأت المقاهي عن آخرها، والشرفات تحولت إلى منصات صغيرة للاحتفال، فيما أطلقت السيارات أبواقها دون توقف، ورقص الأطفال والشباب وكبار السن على إيقاع الطبول والأهازيج الشعبية.

واشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي بالصور والفيديوهات التي توثق لحظات البكاء فرحاً، والاحتفالات الجماعية، واللافتات التي تشكر اللاعبين والمدرب وليد الركراكي على هذا الإنجاز التاريخي.

واستحضر كثيرون سنوات الانتظار الطويلة منذ نهائي 2004، معتبرين هذا التأهل بمثابة ردّ الاعتبار للكرة المغربية وإثبات قدرتها على المنافسة القارية بجدارة. في الأحياء الشعبية كما في الأحياء الراقية، اختفت الفوارق الاجتماعية وحلّ مكانها إحساسٌ مشترك بأن المغرب بأكمله فاز، لا فريق كرة القدم فقط. حتى من لم يكونوا متابعين بشغف للمباريات وجدوا أنفسهم منجذبين إلى هذه العدوى الجماعية من البهجة.

واستمرت الاحتفالات تحت أضواء الشوارع، في مشهدٍ جسّد وحدة وطنية نادرة، وأعاد التأكيد على أن كرة القدم في المغرب ليست مجرد لعبة، بل لغةٌ مشتركة تُلهم وتوحّد وتمنح الناس لحظاتٍ من الفرح الخالص والأمل المتجدد.

شهد ملعب الأمير مولاي عبدالله بالرباط مساء الأربعاء واحدة من أكثر مواجهات كأس أمم إفريقيا إثارةً وتشويقاً، حين تمكن المنتخب المغربي من حجز بطاقة العبور إلى المباراة النهائية للمرة الثانية في تاريخه، بعد انتصارٍ بالغ الصعوبة على نظيره النيجيري بركلات الترجيح (4-2)، إثر تعادلٍ سلبيٍ استمر طيلة الوقتين الأصلي والإضافي. هذا التأهل لم يكن مجرد إنجاز رياضي عابر، بل حمل دلالات رمزية عميقة تتعلق بقدرة أسود الأطلس على تجاوز عقدٍ لازمتهم طويلاً في البطولة القارية.

الطريق إلى النهائي جاء بعد مباراة اتسمت بالحذر التكتيكي والانضباط الدفاعي من الطرفين، أمام حضور جماهيري قياسي تجاوز 65 ألف متفرج، ما عكس الشغف الكبير الذي رافق هذه النسخة من البطولة. منذ الدقائق الأولى، بدا المنتخب المغربي الأكثر مبادرةً وجرأةً في محاولة الوصول إلى الشباك، بينما اعتمد المنتخب النيجيري على الاستحواذ المنظم بهدف امتصاص الضغط المغربي والبحث عن الفرص المرتدة.

المحاولات المغربية المبكرة كادت أن تثمر عن هدف، لولا التسرع في بعض اللمسات الأخيرة والتدخلات الحاسمة للدفاع النيجيري. كان سفيان صيباري قريباً من افتتاح التسجيل بعد استخلاصه الكرة قرب منطقة الجزاء، غير أن بطء التنفيذ أتاح للمدافعين فرصة إبعاد الخطر. كما شكّل براهيم دياز مصدر إزعاج دائم للدفاع النيجيري عبر مراوغاته وتحركاته على الجهة اليمنى، لكنه افتقد الدقة في اللمسة الحاسمة.

من جانبهم، اكتفى النسور الخضر بمحاولات محدودة، أبرزها تسديدة منخفضة من أديمولا لوكمان في الدقيقة 14 تصدى لها الحارس المغربي ياسين بونو ببراعة، مؤكداً حضوره الذهني وجاهزيته العالية. ومع مرور الوقت، تراجع نسق المباراة نسبياً، إذ تركز اللعب في وسط الميدان، وسط صعوبة واضحة في اختراق الخطوط الدفاعية المتماسكة للفريقين.

خلال الشوط الثاني، رفع المنتخب المغربي من إيقاعه الهجومي، مستفيداً من الدعم الجماهيري الكبير. توالت المحاولات عبر عبد الصمد الزلزولي وحكيم زياش ورفاقهما، لكن الحارس النيجيري ستانلي نوابالي كان في يومه، متصدياً لأكثر من فرصة خطيرة. في المقابل، حافظ المنتخب النيجيري على تنظيمه الدفاعي، مع اعتمادٍ أكبر على الهجمات المرتدة السريعة، خاصة عبر فيكتور أوسيمين ولوكمان.

انجاز جديد للمنتخب المغربي
انجاز جديد للمنتخب المغربي

ومع اقتراب نهاية الوقت الأصلي، كثّف الطرفان محاولاتهما لتفادي الدخول في شوطين إضافيين، غير أن التسرع من جهة والتماسك الدفاعي من جهة أخرى أبقيا النتيجة على حالها. دخل الفريقان الأشواط الإضافية بنفس الحذر، لكن مع تصاعد التوتر والإرهاق البدني. في الدقيقة 93، كاد نايف أكرد أن يمنح المغرب التقدم برأسية ارتطمت بالقائم الأيسر، في لقطة عكست حجم الحظ الذي غاب عن “الأسود” في تلك اللحظة.

التغييرات التي أجراها المدربان خلال الأشواط الإضافية هدفت إلى ضخ دماء جديدة في الخطين الأمامي والوسط، غير أن الطابع التكتيكي للمواجهة ظل طاغياً. المنتخب النيجيري حاول استغلال القوة البدنية لأوسيمين، بينما راهن وليد الركراكي على سرعة يوسف النصيري وإلياس أخوماش في المساحات الخالية. رغم ذلك، بقيت المحاولات دون فعالية حقيقية أمام المرمى.

في الدقائق الأخيرة من الشوط الإضافي الثاني، بدا واضحاً أن الفريقين باتا يفضلان الاحتكام إلى ركلات الترجيح بدل المخاطرة بخطأ قاتل قد يحسم المباراة. ومع صافرة الحكم الغاني دانييل لاريا، انتقل الحسم إلى نقطة الجزاء، حيث أظهر المنتخب المغربي هدوءاً أعصابياً كبيراً وتركيزاً عالياً، مكنه من التفوق بنتيجة 4-2.

هذا الفوز لم يكن مجرد تأهل رياضي، بل مثّل تتويجاً لمسار طويل من العمل والتطوير داخل الكرة المغربية، التي ظلت تبحث عن تجاوز إنجاز نهائي 2004 في تونس. فمنذ ذلك التاريخ، اكتفت مشاركات المغرب ببلوغ ربع النهائي في نسختي 2017 و2021، قبل أن يعود بقوة في هذه البطولة ويكسر حاجز الخوف والتردد الذي لازمه طويلاً في الأدوار المتقدمة.

الآن، يضرب المنتخب المغربي موعداً مع نظيره السنغالي في المباراة النهائية يوم الأحد المقبل، في مواجهة تعد بالكثير من الندية والإثارة بين بطل النسخة الماضية وطامح جديد للتتويج. في المقابل، ستخوض نيجيريا مباراة الترتيب أمام مصر يوم السبت، في لقاء سيجمع بين منتخبين كبيرين يسعيان إلى إنهاء مشاركتهما بصورة مشرفة.

ختاماً، يمكن القول إن ما قدمه المنتخب المغربي في نصف النهائي يعكس نضجاً تكتيكياً وروحاً قتالية عالية، إلى جانب قدرة على التعامل مع الضغوط الجماهيرية والإعلامية. وإذا واصل “أسود الأطلس” بنفس الأداء والتركيز، فإن حلم التتويج القاري لأول مرة في تاريخهم يبدو أقرب من أي وقت مضى.