من القاهرة إلى دمشق: حكاية السلة السورية في البطولات الأوروبية
في واحدة من أغرب المفارقات في تاريخ الرياضة الدولية، شاركت سوريا في البطولة الأوروبية لكرة السلة، فتنافست الدولة الآسيوية الواقعة في قلب الشرق الأوسط في بطولة أوروبية على أرض إفريقية، في مشهد يبدو للوهلة الأولى وكأنه خطأ في السجلات التاريخية.
وكانت الحدود الجغرافية للبطولات لا تزال مرنة آنذاك، ولم تكن الاتحادات القارية قد ترسخت بعد بالشكل الذي نعرفه اليوم، وبالتالي تكشف هذه الحادثة عن فترة انتقالية في تاريخ كرة السلة العالمية، عندما كانت الظروف السياسية والتنظيمية تسمح بمشاركات استثنائية تتجاوز المنطق الجغرافي الصارم الذي يحكم البطولات الحديثة.
وأقيمت النسخة السادسة من البطولة الأوروبية لكرة السلة في الفترة من 15 إلى 22 مايو/أيار 1949، وبعد أن اعتذر الاتحاد السوفييتي عن استضافة البطولة باعتباره حامل اللقب، ورفض تشيكوسلوفاكيا استضافتها أيضاً، أوكل شرف الاستضافة لجمهورية مصر العربية، لتصبح المرة الأولى التي تقام فيها البطولة خارج القارة العجوز.
وكان من المقرر أن تشارك مصر وفرنسا وتركيا واليونان وهولندا وإيطاليا، لكن الأخيرة انسحبت قبل البطولة بفترة وجيزة بسبب كارثة سوبرغا الجوية التي وقعت بتاريخ 4 مايو/ايار 1949 وراح ضحيتها جميع ركاب الطائرة الاثنين والثلاثين، بمن فيهم عشرة لاعبين من أعمدة المنتخب الإيطالي في تلك الفترة، والعديد من الشخصيات الرياضية البارزة في إيطاليا، فتقرر إثر ذلك دعوة المنتخبين السوري واللبناني للمشاركة.
ولم تخض المنتخبات المشاركة مباريات تأهيلية أو تصفيات، إذ جاءت مشاركتها بدعوة مباشرة من الاتحاد الدولي لكرة السلة بناءً على أدائها السابق والتمثيل الإقليمي والجدوى الاستراتيجية في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وتألفت بعثة المنتخب السوري المشاركة في البطولة من أدهم مشنوق رئيساً، وعاطف خربطلي أميناً للسر، وأنور كديجي محاسباً، وشارك من اللاعبين إحسان قدسي (الذي حلّ ثالثاً في ترتيب هدافي البطولة)، وفؤاد حبش ونجم الدين سيوفي وفرزت نشاوي وزهير تيناوي وعمر شكري ونصوح نفال وكمال شوقي ووليد خياط وطاهر داغستاني.
وخسر المنتخب السوري المباراة الأولى أمام مصر بنتيجة 71-44، ثم أمام هولندا 40-37، ثم فاز على لبنان بنتيجة 38-28. عاد المنتخب السوري للخسارة أمام تركيا بنتيجة 43-33، ثم أمام اليونان 49-45، وأمام فرنسا 56-22، ليحلّ سادساً في البطولة خلف مصر (البطل)، وفرنسا (الوصيف)، واليونان (المركز الثالث)، وتركيا (المركز الرابع)، وهولندا (المركز الخامس)، فيما تذيّل المنتخب اللبناني قائمة البطولة في المركز السابع.
وفي حادثة أخرى لا تقل غرابة، استضافت العاصمة السورية دمشق النسخة الخامسة من البطولة الأوروبية لكرة السلة للناشئين في الفترة من 19-27 تموز/يوليو عام 1979، وشارك فيها المنتخب السوري إلى جانب يوغسلافيا (البطل)، وإيطاليا (الوصيف)، وإسبانيا (المركز الثالث)، وألمانيا والاتحاد السوفييتي وبلغاريا وبلجيكا واليونان وتركيا والنمسا.
وقدّم المنتخب السوري مستوى جيداً خلال البطولة، حيث لعب في المجموعة الأولى، واستهل مشاركته بالفوز على بلجيكا 83-65، ثم خسر أمام تركيا بفارق ثلاث نقاط 79-82، وأمام إيطاليا 68-79، وأمام ألمانيا بفارق نقطة واحدة 80-81.
تمكّن نسور قاسيون في المرحلة اللاحقة من الفوز على بلجيكا مجدداً بنتيجة 104-74، لكن خسارتهم أمام بلغاريا 79-104 وضعتهم في المركز السابع بين المنتخبات المشاركة في البطولة.
ومثّل المنتخب السوري كلاً من عثمان آغا وميشيل عجان ورضا الجابري وأنس عثمان آغا وربيح حكيم ومحمد خليفة، إلى جانب جاك باشاياني الذي تصدر قائمة الهدافين بمعدل 26.2 نقطة في المباراة، وقائمة الفعالية بمعدل 25.5 نقطة في المباراة.
وتبقى مشاركة المنتخب السوري في البطولات الأوروبية لكرة السلة شاهداً على حقبة مختلفة من تاريخ الرياضة الدولية، حيث كانت الحدود الجغرافية أكثر مرونة والتبادل الرياضي أكثر انفتاحاً، ورغم غرابة هذه المشاركات من منظور اليوم، إلا أنها تعكس واقعاً كانت فيه الرياضة جسراً حقيقياً بين الثقافات والقارات، قبل أن تفرض الاعتبارات التنظيمية والسياسية حدوداً صارمة على البطولات القارية.
ولم يحقق المنتخب السوري نتائج استثنائية في هاتين البطولتين، لكن المشاركة وتمثيل سوريا في محافل دولية بهذا المستوى يظل إنجازاً يستحق التوثيق والاحتفاء، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي كانت تمر بها المنطقة في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. أما اليوم وقد أصبحت البطولات القارية محددة جغرافياً بصرامة، يبقى سؤال: هل خسرت الرياضة الدولية شيئاً من روحها الأولى عندما أغلقت أبواب هذه المشاركات الاستثنائية؟ وهل نعود في المستقبل إلى شكل أكثر مرونة من الضوابط التنظيمية؟