سوريا في كأس العرب: وصافة متكررة وبطولة غائبة
دمشق - انطلقت بطولة كأس العرب عام 1963 في لبنان بدعوة من الإعلامي الراحل ناصيف مجدلاني الذي لُقّب بأبي الرياضة اللبنانية، في مسعى منه لإنشاء بطولة كروية تجمع المنتخبات العربية وتساهم في تطوير كرة القدم في المنطقة، ولاقى هذا المقترح تأييداً واسعاً من دول عربية عديدة.
شاركت سوريا في معظم نسخ بطولة كأس العرب منذ انطلاقتها، وتراوحت نتائجها بين الجيدة والمخيبة للآمال، دون أن يتمكن السوريون من الظفر بالبطولة على الرغم من استضافة نسختها السادسة، وتحقيق وصافتها ثلاث مرات.
ففي النسخة الأولى التي استضافتها لبنان عام 1963، شارك المنتخب السوري ضمن خمسة منتخبات لعبت بنظام الدوري من مرحلة واحدة، لكنها حلّت ثانية بعد المنتخب التونسي الذي حقق اللقب، بعد الفوز على المنتخبين الأردني واللبناني والخسارة من المنتخب التونسي.
أقيمت النسخة الثانية من البطولة عام 1964 في الكويت، لكن المنتخب السوري لم يشارك فيها بسبب الاضطرابات السياسية التي ضربت البلاد بعد سيطرة حزب البعث على مقاليد الحكم في انقلاب 1963 على الرئيس ناظم القدسي.
وفي النسخة الثالثة التي أقيمت في العراق عام 1966، شارك المنتخب السوري وسجل نتائج جيدة أهلته للوصول إلى المباراة النهائية لملاقاة البلد المضيف بقيادة المدرب الراحل لمعت قطنا، الذي درّب نادي النصر وحقق معه أول ألقاب الدوري السعودي، لكن المنتخب خسر المباراة بهدفين لهدف. تألق في هذه البطولة الحارس السوري الراحل فارس سلطجي الذي وضع العراقيون صورته على أغلفة علب التمر وأطلقوا عليه لقب "نجم التمر" تكريماً لتألقه اللافت.
وتوقفت بطولة كأس العرب لفترة طويلة دامت 19 عاماً جرّاء الحروب والأزمات السياسية في المنطقة، لا سيما نكسة حزيران (حرب 1967) وحرب تشرين (حرب أكتوبر) وما تلاها من اضطرابات، حيث فشلت محاولة الاتحاد العربي لكرة القدم لاستئنافها عام 1982 بسبب الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام ذاته. ولم تشارك سوريا في النسخة الرابعة المقامة في السعودية عام 1985.
وعاد المنتخب السوري للمشاركة في الدورة الخامسة في الأردن، ووصلت إلى المباراة النهائية لملاقاة العراق في تكرار لنهائي النسخة الثالثة، ومنّى السوريون النفس بالتعويض وتحقيق البطولة للمرة الأولى، لكن ركلات الترجيح كان لها رأي آخر، فخسر المنتخب السوري النهائي مجدداً.
واستضافت سوريا النسخة السادسة من البطولة عام 1992، وقدّمت أداءً متواضعاً لا يليق بالبلد المضيف، فاكتفت بالمركز الرابع بين ستة منتخبات.
وتأخرت النسخة السابعة من البطولة حتى عام 1998، واستضافتها الدوحة بمشاركة قياسية بلغت 12 منتخباً لأول مرة في تاريخ البطولة، لكن المنتخب السوري خيّب آمال مشجعيه وخرج من الدور الأول بعد أداء باهت، واستمرت الخيبة في الدورة الثامنة في الكويت عام 2002، بعدما فشل في التأهل لنصف النهائي من مجموعة ضمت السعودية والبحرين ولبنان واليمن، حيث قدّم السوريون أداءً متفاوتاً وغير ثابت ساهم في خروجهم من دوري المجموعات.
وتوقفت البطولة لعشر سنوات كاملة قبل أن تستضيف السعودية نسختها التاسعة عام 2012، كآخر بطولة تقام برعاية الاتحاد العربي لكرة القدم وجامعة الدول العربية، لكن المنتخب السوري لم يشارك فيها بسبب الثورة الداخلية ضد النظام البائد.
وبعد جهود قطرية، وافق الاتحاد الدولي لكرة القدم على رعاية البطولة والاعتراف بها، وتقرر إقامة النسخ الأربع الأولى في قطر لأعوام 2021 و2025 و2029 و2033، وبمشاركة جميع الدول العربية لأول مرة في تاريخ البطولة، حيث تتأهل المنتخبات التسعة الأعلى تصنيفاً مباشرة إلى البطولة، وتلعب المنتخبات الأربع عشرة المتبقية مباريات ثنائية يتأهل الفائز في كلٍ منها لاستكمال المنتخبات الستة عشرة المشاركة.
وتأهل المنتخب السوري مباشرة إلى نسخة 2021 بعد احتلاله المرتبة التاسعة بين المنتخبات المشاركة حسب التصنيف العالمي (79 عالمياً)، ولعب إلى جانب تونس والإمارات وموريتانيا في المجموعة الثانية، لكنه ودّع البطولة من الدور الأول بعد خسارتين أمام الإمارات وموريتانيا وفوز يتيم على تونس.
وفي البطولة المقامة حالياً في قطر، تأهل المنتخب السوري من بوابة التصفيات بعد الفوز على جنوب السودان بهدفين نظيفين، والتحق بالبطولة ضمن المجموعة الأولى إلى جانب تونس وقطر وفلسطين، وتمكّن من التأهل إلى الدور الثاني لملاقاة المغرب، بعد الفوز على تونس والتعادل مع قطر وفلسطين، لكنه خسر مباراته في دور الثمانية أمام المنتخب المغربي بهدف نظيف، ليغادر البطولة من الباب الكبير بعد أداء مشرّف.
على مدار ستة عقود، تظلّ قصة المنتخب السوري في كأس العرب قصة محاولات متكررة لم تنتهِ بالتتويج، رغم تحقيق الوصافة ثلاث مرات. لكن هذا المسار الطويل، بما فيه من صعود وهبوط، يعكس رحلة كرة القدم السورية ككل، رحلة تتخلّلها التحديات السياسية والاقتصادية، لكنها تستمر بعزيمة اللاعبين وشغف الجماهير.
واليوم، مع التطور الملحوظ الذي يشهده المنتخب تحت قيادة المدرب خوسيه لانا، واستدعاء اللاعبين السوريين الناشطين في مختلف الدوريات العالمية بناءً على الكفاءة والمهارة، ومع الأمل المتجدد لدى السوريين بمستقبل أفضل، تتجدد الآمال بأن يصبح الذهب الغائب في متناول نسور قاسيون في النسخ القادمة. فالتاريخ يعلمنا أن المثابرة تؤتي ثمارها، وأن الحلم بالكأس، وإن طال انتظاره، يبقى حياً ما دام هناك فريق يلعب ومشجعون يؤمنون.