العارضة التي أبكت الملايين: ذاكرة السوريين في كأس العالم للشباب
شهدت الكرة السورية لحظات من الفخر والإثارة عبر مشاركات منتخب الشباب في كأس العالم، حيث نجح جيل من اللاعبين الشبان في ترك بصمتهم على الساحة الدولية. فمن التأهل الأول عام 1989 إلى الأداء المشرّف في هولندا 2005، شاركت سوريا أربع مرات في كأس العالم للشباب وتأهلت في مناسبتين إلى الدور التالي، حاملةً آمال شعب بأكمله، وقدّم المنتخب مباريات لا تُنسى أظهر فيها موهبة وإصراراً وقدرةً على منافسة كبار الكرة العالمية.
جاءت واحدة من أبرز هذه اللحظات عندما تأهل منتخب الشباب لأول مرة إلى نهائيات كأس العالم عام 1989، في البطولة التي استضافتها المملكة العربية السعودية. كانت سوريا قد بلغت نهائي بطولة آسيا للشباب 1988 في قطر، لكنها خسرت أمام العراق بركلات الترجيح، ما أهّلها للملحق الآسيوي–الأوقيانوسي إلى جانب قطر وأستراليا ونيوزيلندا.
أقيم الملحق على ملعب الحمدانية في مدينة حلب السورية في كانون الثاني/يناير من العام التالي، وكان لعامل الأرض والجمهور بالغ الأثر على أداء المنتخب السوري، حيث امتلأت المدرجات لتشجيع اللاعبين ودفعهم لتقديم مستوى مشرف يليق بالجيل المميز من اللاعبين.
انتهت المباراة الأولى أمام قطر بالتعادل السلبي، ثم تحسّن مستوى النسور بصورة ملحوظة في المباراة الثانية فحققوا الفوز على المنتخب النيوزيلندي بهدفين نظيفين، وعلى المنتخب الأسترالي بهدف نظيف سجله فواز مندو.
التحق المنتخب السوري بكأس العالم للشباب ضمن المجموعة الثانية، متسلحاً بأسماء جيل ذهبي من اللاعبين الذين شكّلوا النواة الأساسية للمنتخب في السنوات التالية، ومنهم عبد المسيح دونا، وعمار حبيب، وياسر السباعي، وعلي الشيخ ديب، وفواز مندو، وهشام خلف، وعمار عوض، ورضوان عجم، ومحمد عفش، وعبد اللطيف الحلو، وبإشراف المدرب الأوزبكي الراحل بخدير إبراهيموف. إلا أنه ودّع المنافسة من دور المجموعات بعد خسارته أمام الاتحاد السوفييتي بثلاثة أهداف لهدف سجّله ياسر السباعي، ثم أمام كولومبيا بثنائية نظيفة، قبل أن يحقق فوزاً شرفياً على كوستاريكا 3–1 بثنائية لعبد اللطيف الحلو وهدف لمحمد عفش.
وفي نسخة البرتغال عام 1991، شارك المنتخب بقائمة مميزة من اللاعبين ضمّت مالك كوسا (شكوحي)، وياسر السباعي، وعمار عوض، ومحمد عفش، وفواز مندو، وجورج مناز، وعساف خليفة، وحاتم الغايب، وعبد اللطيف الحلو، ومناف رمضان، وبإشراف المدرب الوطني الراحل محمود طوغلي. كتب النسور واحدة من أنصع صفحات تاريخهم، في بطولة استثنائية ضمن مجموعة ضمّت الأوروغواي وإنجلترا وإسبانيا. افتتح المنتخب مشواره بفوز تاريخي على الأوروغواي برأسية مناف رمضان، ثم تعادل مع إنجلترا بنتيجة 3–3 بعد مباراة دراماتيكية تقدّم فيها الإنجليز مبكراً قبل أن يرد السوريون بثلاثة أهداف عبر مناف رمضان وعمار عوض وعبد اللطيف الحلو، ليعود المنتخب الإنجليزي ويدرك التعادل قبل نهاية المباراة بست دقائق، فيما انتهى اللقاء الثالث أمام إسبانيا بالتعادل السلبي، ليضمن نسور قاسيون بطاقة العبور إلى ربع النهائي لأول مرة في تاريخهم.
وفي الدور الثاني، واجه المنتخب نظيره الأسترالي وتعادلا 1–1 في الوقت الأصلي، حيث سجل لسوريا عبدالله مندو، قبل أن تحسم أستراليا المباراة بركلات الترجيح، ليخرج المنتخب بأداء مشرّف ودّع به البطولة مرفوع الرأس.
أما مونديال الشباب الذي أقيم في قطر عام 1995، فقد تأهل المنتخب السوري بعد فوزه التاريخي والوحيد ببطولة كأس آسيا للشباب 1994 على حساب اليابان القوية في المباراة النهائية التي أقيمت على ملعب غيلورا بونغ كارنو في العاصمة الإندونيسية جاكرتا، بواقع هدفين لهدف سجّلهما الراحل محمود محملجي، بعد بطولة ملحمية لم يخسر فيها النسور أي مباراة.
شارك المنتخب السوري في المونديال بتشكيلة ضمّت عبد الفتاح قادر، ومحمود محملجي، وحسان عباس، وطارق الجبان، وعمار ريحاوي، وأحمد كردغلي، ونهاد البوشي، ولؤي طالب، وعبد القادر الرفاعي، وبإشراف المدرب الروسي أناتولي بايداتشني، وذلك ضمن المجموعة الأولى إلى جانب منتخب البرازيل القوي وروسيا المتطورة وقطر المضيفة. لكن النسور لم ينجحوا في تجاوز دور المجموعات بعد احتلالهم المركز الثالث إثر الخسارة أمام البرازيل وروسيا بنتيجتي 6–0 و2–0، والفوز في المباراة الثالثة على قطر بهدف نهاد البوشي في الدقيقة السابعة من الشوط الثاني.
أما آخر المشاركات السورية فكانت في كأس العالم للشباب في هولندا عام 2005، حين ضمت قائمة المنتخب السوري عدنان الحافظ، وعبد الهادي خلف، وزكريا الخضور، وحمزة أيتوني، وعبد القادر دكا، وصلاح شحرور، وبرهان صهيوني، ومعتز كيلوني، وعاطف جنيات، وعبد الرزاق الحسين، ومحمد الحموي، وماجد الحاج، وبإشراف المدرب الصربي ميروسلاف رادينوفيتش (غوربا).
لعب المنتخب في مجموعة قوية ضمّت كندا وإيطاليا وكولومبيا. تعادل النسور في المباراة الأولى 1–1 أمام كندا بهدف ماجد الحاج، ثم حققوا فوزاً تاريخياً على المنتخب الإيطالي بنتيجة 2–1 عبر عبد الرزاق الحسين ومحمد الحموي. ورغم الخسارة في اللقاء الثالث أمام كولومبيا، تأهل المنتخب إلى الدور التالي للمرة الثانية في تاريخه.
وفي مواجهة البرازيل في دور الـ16، قدّم المنتخب السوري واحدة من أفضل مبارياته، وسيطر على الشوط الثاني محاولاً تعويض الهدف البرازيلي الذي جاء من ركلة جزاء مثيرة للجدل في نهاية الشوط الأول. وأهدر اللاعبون فرصاً محققة، أبرزها تسديدة محمد الحموي التي ارتدت من العارضة الأفقية في الدقائق الأخيرة، تحت أنظار ملايين السوريين الذين تابعوا المباراة عبر شاشات عملاقة نُصبت في مختلف المحافظات. انتهت المباراة بفوز البرازيل وخروج سوريا المشرّف من البطولة، لتنهمر دموع الجماهير في شوارع دمشق وحلب واللاذقية والمحافظات السورية الأخرى حزناً على ضياع فرصة صناعة التاريخ والانتقام من الخسارة الثقيلة أمام البرازيل في دور المجموعات في نسخة 1995 في قطر.
شكّلت مشاركات سوريا في كأس العالم للشباب ذاكرة جماعية لجيل كامل، ورسّخت الإيمان بأن الاحتراف والعمل المنظّم قادران على تحويل الحلم إلى حقيقة. ورغم الظروف الصعبة التي شهدتها الرياضة السورية، بسبب الإهمال والفساد من جهة، وسنوات الحرب والدمار من جهة ثانية، ما تزال تلك التجارب تلهم الطامحين اليوم وتذكّرهم بأن المجد لا يتحقق سوى بالتضحية والإيمان والجهد، وربما يكون القادم أجمل، حين يعود النسور مرة أخرى إلى مسارح الكبار ليكتبوا فصلاً جديداً من الحكاية.