قوات حفتر تعيد صياغة تحالفاتها مع الغرب من بوابة باريس
باريس - تعد زيارة صدام حفتر، رئيس أركان القوات البرية بالقيادة العامة لشرق ليبيا، إلى باريس ولقاؤه بكبار المسؤولين في قصر الإليزيه، خطوة استراتيجية تتجاوز البروتوكول العسكري التقليدي؛ فهي تعكس تحولاً لافتاً في مساعي القيادة العامة ببنغازي لإعادة تموضعها دولياً كشريك موثوق للغرب.
وتمثل هذه الدعوة الرسمية لصدام حفتر اعترافاً فرنسياً ضمنياً بالدور المتنامي لنجل المشير خليفة حفتر في المشهد الليبي. وتعتبر الزيارة وسيلة لـ"مأسسة" نفوذ الجيش، والانتقال من صورة "القوة العسكرية الإقليمية" إلى شريك سياسي تتعامل معه العواصم الكبرى كأمر واقع ومستدام.
وفي ظل التقارير الدولية التي تتحدث عن توسع النفوذ الروسي في شرق ليبيا عبر "الفيلق الأفريقي" (بديل فاغنر)، يسعى المشير خليفة حفتر عبر إيفاد نجله إلى باريس لإرسال رسالة مفادها أن القيادة العامة ليست حبيسة التحالف مع موسكو.
وتعكس هذه التحركات رغبة في فتح قنوات للتسليح، التدريب والتنسيق الاستخباري مع حلف شمال الأطلسي "ناتو" عبر البوابة الفرنسية، سعياً لتقليل الاعتماد الكلي على الجانب الروسي وتجنب العزلة الدولية.
وتدرك قيادة شرق ليبيا أن أمن الحدود ومكافحة الهجرة غير الشرعية يمثلان الهاجس الأكبر لأوروبا، ولفرنسا تحديداً. لذا، ركز صدام حفتر في مباحثاته على تقديم قواته كـ"حارس للحدود الجنوبية والساحل"، بهدف مقايضة ضبط تدفقات المهاجرين بتعاون عسكري تقني ورفع الحظر التدريجي عن دعم قواته، بما يمنحها شرعية دولية تحت غطاء مكافحة الجريمة العابرة للحدود.
وتأتي هذه التحركات أيضاً في سياق التنافس مع حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس بقيادة عبدالحميد الدبيبة، حيث يسعى حفتر لإثبات أن قواته هي الأكثر تنظيماً وقدرة على فرض الاستقرار، بخلاف التشكيلات المسلحة المتعددة في الغرب، مما يجعلها الطرف الأنسب لعقد صفقات استراتيجية بعيدة المدى.
وعقد صدام حفتر اجتماعاً رسمياً في قصر الإليزيه مع الجنرال فنسنت جيرو، رئيس الأركان الخاص للرئيس الفرنسي، وبول سولير، المبعوث الخاص للرئيس إيمانويل ماكرون. وخلال اللقاء، ثمن صدام "الدور الفرنسي البارز في مكافحة الإرهاب"، مشيداً بمستوى التعاون القائم، ومؤكداً أن "التنسيق أسفر عن نتائج إيجابية في دعم الاستقرار ومواجهة التهديدات الأمنية"، وفق بيان لقوات الشرق الليبي.
كما أعرب عن رغبة قوات الشرق في تطوير العلاقات الثنائية والارتقاء بها، لا سيما في مجالات التدريب وبناء القدرات وتبادل الخبرات. وشدد الجانبان على ضرورة استمرار التشاور لمكافحة الإرهاب والعصابات العابرة للحدود، مع التأكيد على أهمية دعم الجهود الدولية لاستقرار ليبيا ووحدتها وسيادتها كأولوية قصوى.
وباختصار يمكن القول إن زيارة صدام حفتر لباريس محاولة لتقديم "نسخة مطورة" من القيادة العامة، تتحدث لغة الدبلوماسية الغربية، وتعيد صياغة تحالفاتها مع الاتحاد الأوروبي من بوابة باريس.