المغرب يكتب أولى فصول السيادة الدفاعية بأول مصنع للمسيّرات
بنسليمان (المغرب) - يدخل المغرب مرحلة مفصلية في مساره الدفاعي والصناعي مع استكمال بناء أول مصنع مخصص للطائرات المسيّرة في منطقة بنسليمان قرب الدار البيضاء، في خطوة تُقرأ بوصفها تدشيناً فعلياً لأولى مراحل توطين الصناعات الدفاعية داخل المملكة.
ولا يمثل هذا المشروع مجرد إضافة منشأة صناعية جديدة، بل يعكس تحوّلاً استراتيجياً عميقاً في طريقة تفكير الدولة المغربية إزاء أمنها القومي وقدرتها على امتلاك أدواتها الدفاعية ذاتياً، بعيداً عن الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد.
ويضع التحول الجاري اليوم المغرب على أعتاب مرحلة جديدة إقليمياً، إذ ينتقل من موقع المستهلك للتكنولوجيا العسكرية إلى لاعب صاعد في منظومة التصنيع الدفاعي. فوجود مصنع متخصص في إنتاج الطائرات المسيرة، بإشراف تقني من شركة BlueBird Aero Systems الإسرائيلية، يعني أن الرباط لم تعد تكتفي بشراء المعدات الجاهزة، بل بدأت في بناء قاعدة صناعية وتقنية محلية قادرة على استيعاب المعرفة المتقدمة وتحويلها إلى منتجات دفاعية قابلة للتطوير مستقبلاً. هذه النقلة النوعية تضع المملكة في مصاف دول قليلة في المنطقة تسير بخطى واضحة نحو امتلاك قدرات تصنيع عسكري متقدمة.
والمسار الذي يتبناه المغرب في هذا المجال ليس وليد اللحظة، بل يأتي في سياق برنامج متكامل لتوطين الصناعات الدفاعية يمتد لسنوات، فمنذ توقيع الاتفاقيات العسكرية مع إسرائيل في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، شرعت الرباط في صياغة رؤية طويلة المدى تقوم على نقل التكنولوجيا، وبناء الكفاءات المحلية، وخلق منظومة صناعية دفاعية قادرة على الاستدامة.
واختيار مشروع SPY-X كنقطة انطلاق ليس عشوائياً؛ فالمسيّرات باتت اليوم أحد أهم أعمدة الحروب الحديثة، سواء في الاستطلاع أو المراقبة أو الدعم العملياتي، ما يجعل امتلاك القدرة على إنتاجها محلياً ركيزة أساسية لأي استراتيجية دفاعية متقدمة.
وما يعزز هذا التوجه هو النهج المتدرج الذي تتبعه المملكة، فبدلاً من القفز مباشرة إلى تصنيع كامل ومعقد، اختار المغرب مساراً عملياً يبدأ بالتجميع المحلي، ثم الانتقال تدريجياً إلى التصنيع ونقل المعرفة. والتدريب الذي خضع له الفريق التقني المغربي في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 داخل منشآت BlueBirdوالذي شمل مراحل تصنيع طائرات SPY-X، يشير إلى أن الأمر لا يقتصر على إنشاء مصنع، بل يتعداه إلى بناء رأس مال بشري قادر على إدارة وتشغيل وتطوير خطوط الإنتاج مستقبلاً. هذا الاستثمار في الكفاءات المحلية يُعد جوهر عملية التوطين الحقيقي للصناعات الدفاعية.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن قراءة هذا التحول بمعزل عن الشراكات الدولية التي نسجها المغرب بعناية. التعاون مع شركة BlueBird Aero Systems ليس مجرد صفقة تجارية، بل شراكة استراتيجية قائمة على نقل المعرفة والخبرة التقنية. ويشير اختيار هذه الشركة تحديداً إدراك الرباط لأهمية العمل مع شركاء يمتلكون خبرة مثبتة في مجال الطائرات المسيّرة، خاصة وأن BlueBird تُعد من أبرز الشركات المتخصصة في هذا القطاع، وتصدر منتجاتها إلى دول ضمن منظومة حلف شمال الأطلسي. ويمنح هذا البعد الدولي المشروع مصداقية تقنية ويضمن استفادة المغرب من أحدث الابتكارات في مجال المسيّرات.
غير أن الشراكة مع إسرائيل ليست الوحيدة التي يعتمد عليها المغرب في بناء منظومته الدفاعية الجديدة، فالمملكة تسعى إلى تنويع شركائها، والاستفادة من خبرات متعددة، سواء في مجال الطيران العسكري أو الحرب الإلكترونية أو أنظمة الدفاع الذكية، فيما تمنح هذه المقاربة المتوازنة الرباط هامش مناورة أوسع، وتجنبها الارتهان لطرف واحد، كما تعزز قدرتها على بناء منظومة دفاعية متكاملة ومتعددة المصادر.
وما يميز التحرك المغربي أيضاً هو أنه لا يتم بمعزل عن رؤية استراتيجية أشمل تأخذ في الاعتبار التحولات الجيوسياسية الإقليمية والدولية، فالمملكة تدرك أن البيئة الأمنية في المنطقة تشهد تغيرات متسارعة، وأن امتلاك قدرات دفاعية متقدمة لم يعد ترفاً بل ضرورة.
ومن هذا المنطلق، يأتي مشروع مصنع بنسليمان كجزء من تصور أوسع يسعى إلى تعزيز السيادة الدفاعية للمغرب، وتقليص الاعتماد على الخارج، ورفع مستوى الجاهزية العسكرية.
كما أن هذا التوجه لا يقتصر على البعد العسكري البحت، بل يحمل انعكاسات اقتصادية وتنموية مهمة، فالصناعات الدفاعية، بطبيعتها، ترتبط بسلاسل قيمة عالية التقنية، وتخلق فرص عمل نوعية، وتسهم في نقل المعرفة إلى قطاعات مدنية أخرى.
وقد يفتح إنشاء مصنع للمسيّرات الباب أمام تطوير صناعات موازية في مجالات البرمجيات، والذكاء الاصطناعي، والاتصالات المتقدمة، ما يعزز مكانة المغرب كمركز إقليمي للتكنولوجيا الدفاعية.
من جهة أخرى، يعكس المشروع رغبة المغرب في بناء استقلالية استراتيجية تدريجية، دون القطيعة مع شركائه التقليديين، فالرباط لا تسعى إلى الانغلاق، بل إلى شراكات متوازنة تمكنها من امتلاك أدواتها الدفاعية مع البقاء منفتحة على التعاون الدولي. وتجعل هذه المقاربة البراغماتية من المغرب نموذجاً لدولة تسعى إلى تعزيز قوتها الذاتية دون التصادم مع محيطها.
ومن المتوقع أن يشكل مصنع SPY-X في بنسليمان نواة أولى لتطوير قدرات مغربية أوسع في مجال الطائرات المسيّرة، سواء للاستخدامات العسكرية أو الأمنية أو حتى المدنية. فهذه الطائرات يمكن أن تُستخدم في مراقبة الحدود، ومكافحة التهريب، وإدارة الكوارث الطبيعية، ما يمنح المشروع بعداً مزدوجاً يخدم الأمن والتنمية في آن واحد.
ولا يمثل استكمال بناء أول مصنع للطائرات المسيّرة في المغرب مجرد إنجاز صناعي، بل علامة فارقة على دخول المملكة حقبة جديدة من التفكير الدفاعي القائم على التوطين والابتكار والشراكات الذكية، فهو يشكل بداية مسار طويل نحو بناء قاعدة صناعية دفاعية مغربية قادرة على المنافسة إقليمياً، وتعزيز موقع المملكة كلاعب فاعل في منظومة الأمن والتكنولوجيا العسكرية الحديثة.
وبهذا المعنى، فإن ما يجري اليوم في بنسليمان ليس مجرد مشروع محلي، بل خطوة استراتيجية تعكس طموح دولة تسعى إلى امتلاك مستقبلها الدفاعي بيدها، مستفيدة من أفضل ما يمكن أن تقدمه الشراكات الدولية، ومنطلقة بثبات نحو عصر جديد من السيادة الصناعية والعسكرية.