الكويت تُحكِم أدواتها القانونية لمواجهة إرهاب عابر للحدود
الكويت - أصدر وزير الخارجية الكويتي عبدالله اليحيا قرارا وزاريا رقم 176 لسنة 2025، المنظِّم لعمل اللجنة الخاصة بتنفيذ قرارات مجلس الأمن الصادرة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة والمتعلقة بمكافحة الإرهاب ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، في خطوة ذات دلالات أمنية وسياسية واضحة.
ولا يكتفي القرار الذي دخل حيّز التنفيذ مع نشره في الجريدة الرسمية (الكويت اليوم)، بإعادة تأكيد التزامات الكويت الدولية، بل يؤسس لآلية تنفيذية أكثر صرامة وتفصيلاً لإدارة ملفات الإدراج والعقوبات والتعاون الأمني، في لحظة إقليمية تتسم بتصاعد المخاطر العابرة للحدود.
وبعيدًا عن الصياغة التقنية للقرار، يمكن قراءته بوصفه جزءًا من مسار كويتي أوسع لإعادة ضبط البيئة الأمنية الداخلية والخارجية، فالكويت، شأنها شأن بقية دول الخليج، لم تكن بمنأى عن تهديدات ومخططات إرهابية خلال العقدين الماضيين، بعضها ارتبط بشبكات موالية لإيران أو متصلة بحزب الله أحد ابرز أذرع طهران في المنطقة، سواء عبر التمويل أو التحريض أو محاولات اختراق النسيج الاجتماعي والأمني.
وهذه التجارب وإن لم تتخذ دائمًا شكل عمليات واسعة النطاق، تركت أثرا عميقا في المقاربة الكويتية للأمن، ودفعَت صانع القرار إلى الانتقال من إدارة المخاطر إلى استباقها، عبر أدوات قانونية ومؤسسية أكثر إحكامًا.
وعلى المستوى المؤسسي، أنشأ القرار لجنة خاصة برئاسة مساعد وزير الخارجية لشؤون التنمية والتعاون الدولي، تضم في عضويتها ممثلين رفيعي المستوى عن وزارات وهيئات ذات صلة مباشرة بالأمن والمال والعدالة والتنظيم الاقتصادي. وتشمل القائمة وزارات العدل والداخلية والدفاع، والشؤون الاجتماعية، والتجارة والصناعة، إضافة إلى وحدة التحريات المالية وبنك الكويت المركزي والنيابة العامة والإدارة العامة للجمارك وهيئة أسواق المال والإدارة العامة للطيران المدني ووحدة تنظيم التأمين، فضلًا عن وزارة الخارجية نفسها.
وهذا التشكيل المتعدد يعكس إدراكًا بأن مكافحة الإرهاب لم تعد شأنًا أمنيًا بحتًا، بل منظومة مترابطة تشمل تتبع التمويل، وضبط الحدود، وتنظيم الأسواق، ومراقبة النقل، والتنسيق القضائي.
ويمنح القرار اللجنة صلاحيات واسعة في إدراج الأشخاص والكيانات المشتبه في تورطها في أنشطة إرهابية أو تسهيلها. فبمجرد تلقي طلب إدراج من جهة محلية أو أجنبية، تلتزم اللجنة بالنظر فيه فورًا، مع السعي إلى جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات التعريفية والأدلة الداعمة.
الكويت لن تسمح بتحويل أراضيها أو نظامها المالي إلى مساحة عبور أو تمويل لشبكات إرهابية
والأهم أن اللجنة تستطيع، من تلقاء نفسها، فتح مسار إدراج إذا توفرت "أسس معقولة" للاشتباه، سواء كان الشخص قد ارتكب فعلًا إرهابيًا، أو حاول ارتكابه، أو شارك فيه، أو سهّله، أو عمل بشكل مباشر أو غير مباشر تحت سيطرة جهة إرهابية. كما يجيز القرار للجنة طلب أي معلومات من الجهات العامة أو الأفراد أو الكيانات داخل الكويت، بما يعزز قدرتها على بناء ملفات دقيقة قبل اتخاذ القرار.
ومن زاوية إجرائية، يكلّف رئيس اللجنة بترشيح مقرر وأمانة عامة، ويملك صلاحية دعوة جهات غير أعضاء أو خبراء متخصصين لحضور الاجتماعات عند الحاجة. وهذه المرونة الإجرائية تشير إلى رغبة في جعل اللجنة منصة تنسيق حيّة، لا هيئة شكلية، بينما يحظر القرار إخطار الشخص المعني بأن إدراجه قيد الدراسة وهو ما يعكس حرصًا على حماية سير التحقيقات ومنع أي محاولات للتهرب أو نقل الأموال أو طمس الأدلة.
ويحدد الملحق المرفق بالقرار معايير الإدراج بشكل تفصيلي، وهو الجزء الأكثر حساسية سياسيًا، فهو لا يقتصر على تنظيم التعامل مع قوائم أممية مرتبطة بتنظيمي القاعدة وطالبان، أو الأنشطة النووية لكوريا الشمالية وحزب العمال الكوري، بل يتطرق صراحة إلى أنشطة مرتبطة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وتشمل المعايير أي شخص أو كيان شارك، بشكل مباشر أو غير مباشر، في برامج انتشار الأسلحة النووية الإيرانية بما يتعارض مع التزامات طهران بخطة العمل الشاملة المشتركة، أو قدّم دعمًا لها. كما تستهدف المعايير الكيانات المملوكة أو الخاضعة لسيطرة الحرس الثوري الإيراني، أو المرتبطة بشركة النقل البحري الإيرانية وقطاع الشحن التابع لطيران إيران.
وهذه الإحالة الواضحة إلى إيران ليست تفصيلاً عابرًا، بل تعبير عن قراءة أمنية كويتية تعتبر أن المخاطر لم تعد محصورة في جماعات متطرفة غير دولية، بل تشمل أيضًا شبكات شبه رسمية أو مرتبطة بدول إقليمية. ومن هنا، يمكن فهم القرار بوصفه أداة مزدوجة: من جهة، تنفيذ التزامات أممية، ومن جهة أخرى، بناء جدار قانوني يحصّن الكويت أمام محاولات الاختراق أو الالتفاف عبر شركات واجهة أو قنوات مالية معقدة.
وفي البعد الإقليمي، يأتي القرار في سياق خليجي أوسع يسعى إلى تقليص المساحات الرمادية التي تتحرك فيها الشبكات الإرهابية والميليشيات العابرة للحدود، فيما تبدو الكويت التي لطالما انتهجت سياسة خارجية متوازنة، اليوم أكثر ميلًا إلى المقاربة الوقائية، ليس عبر التصعيد السياسي، بل عبر الأدوات القانونية والتنظيمية، فمحاصرة التمويل وضبط الإدراج، وتوحيد المعايير مع قرارات مجلس الأمن، كلها أدوات تقلّل هامش المناورة أمام الجهات التي تسعى لاستغلال الثغرات.
أما داخليا، فيعكس القرار رغبة في تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع بأن الأمن يُدار وفق قواعد واضحة، لا عبر إجراءات استثنائية مبهمة. إشراك النيابة العامة وهيئة أسواق المال وبنك الكويت المركزي يشير إلى أن المقاربة ليست أمنية قسرية، بل مؤسسية متكاملة تراعي الأبعاد القانونية والاقتصادية.
ويحمل القرار رسالة ضمنية مفادها أن الكويت لن تسمح بتحويل أراضيها أو نظامها المالي إلى مساحة عبور أو تمويل لشبكات إرهابية، سواء كانت عابرة للحدود أو مرتبطة بمحاور إقليمية. وفي الوقت نفسه، تحرص الكويت على أن يكون تحركها منضبطًا بالإطار الأممي، ما يمنحها غطاءً قانونيًا دوليًا ويجنبها الانزلاق إلى إجراءات أحادية مثيرة للجدل.
ولا يمكن قراءة القرار 176 لسنة 2025 بوصفه إجراءً تقنيًا بيروقراطيًا فحسب، بل كحلقة في سلسلة إعادة ترتيب أمنية-قانونية أوسع، في الوقت الذي تسعى فيه الكويت إلى سد الثغرات وتحصين مؤسساتها وإرسال إشارة واضحة مفادها أن مواجهة الإرهاب اليوم تتطلب أدوات دقيقة وتعاونًا متعدد الأطراف وقدرة على الربط بين المحلي والإقليمي والدولي.
وإذا كان الهدف المباشر هو تنفيذ قرارات مجلس الأمن، فإن الهدف الأعمق يتمثل في بناء منظومة تجعل من البيئة الكويتية أقل قابلية للاختراق وأكثر قدرة على الاستجابة السريعة لأي تهديد مستقبلي.