المغرب يكتب اسمه في دفتر صُنّاع السلام العالميين
لم تكن موافقة العاهل المغربي الملك محمد السادس على دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للانضمام كعضو مؤسس إلى 'مجلس السلام' حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل لحظة سياسية كثيفة الدلالات، تكشف بوضوح أن المغرب لم يعد فقط متلقّيًا لتوازنات النظام الدولي، بل فاعلًا في صياغتها، ومشاركًا في هندسة مساراتها الكبرى.
فالدعوة التي وُجهت إلى العاهل المغربي لم تكن مفتوحة أو جماعية، بل اقتصرت على "نخبة محدودة من القادة الدوليين"، وهو توصيف يحمل في طياته اعترافًا سياسيًا نادرًا بمكانة المغرب وبالدور الشخصي للملك محمد السادس كزعيم يمتلك رصيدًا أخلاقيًا وسياسيًا في مجال الوساطة وصناعة السلم. إنها شهادة دولية على أن الدبلوماسية المغربية لم تعد تُقاس فقط بعدد الاتفاقيات، بل بقدرتها على إنتاج الثقة في عالم يعيش أزمة قيادة وأزمة حلول.
وقبول الملك محمد السادس لهذه الدعوة لا يمكن قراءته خارج سياق الرؤية المغربية الثابتة: السلام ليس شعارًا، بل مشروع دولة. فمنذ سنوات، اختار المغرب أن يجعل من الاستقرار قيمة مركزية في سياسته الخارجية، وأن يراكم مصداقيته عبر مواقف متوازنة، لا تنحاز للانفعال ولا للابتزاز، بل للعقل والحوار والتدرج. ومن هنا، فإن الانخراط في مجلس السلام ليس مغامرة دبلوماسية، بل امتداد طبيعي لمسار طويل من الاشتغال الهادئ والعميق.
وهذا المجلس، الذي سيأخذ شكل منظمة دولية قائمة على العمل الميداني والشراكات العملية، يعكس تحوّلًا في مقاربة إدارة النزاعات: من منطق الخطابات الكبرى إلى منطق النتائج الملموسة. والمغرب، بخبرته في الوساطة الإفريقية، وفي تدبير التعدد الديني والثقافي، وفي المصالحة بين التنمية والأمن، يملك ما يقدمه أكثر مما يطلبه. إنه يدخل هذا الفضاء الدولي لا كمتعلّم، بل كشريك يحمل تجربة قابلة للتقاسم.
وتزداد رمزية هذه الخطوة حين نربطها بمكانة الملك محمد السادس كرئيس للجنة القدس، فقبول الدعوة لمجلس السلام يتقاطع مع التزام تاريخي وأخلاقي تجاه القضية الفلسطينية. لذلك، لم يكن من قبيل الصدفة أن يواكب هذا الإعلان تأكيد المغرب، مرة أخرى، على موقفه الثابت: سلام عادل، شامل ومستدام، يمر حتمًا عبر قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. هنا، لا يوجد تناقض بين الانخراط في مبادرات دولية جديدة، وبين الوفاء للثوابت؛ بل هناك انسجام بين الواقعية السياسية والمبدئية الأخلاقية.
الإشادة المغربية بإطلاق المرحلة الثانية من مخطط السلام الشامل، وبإحداث لجنة وطنية انتقالية لإدارة غزة، تعكس براغماتية إيجابية: دعم كل خطوة يمكن أن تخفف المعاناة، دون التفريط في الحقوق. إنها سياسة "الممكن العادل"، لا سياسة "المستحيل المثالي".
وفي العمق، ما يجري هو انتقال المغرب من موقع "الدولة المستقرة" إلى موقع "الدولة المساهمة في استقرار الآخرين". وهذا تحول نوعي في تموقعه الدولي، فالدول لا تُقاس اليوم فقط بقوتها الاقتصادية أو العسكرية، بل بقدرتها على إنتاج المعنى: معنى السلام، معنى الثقة، معنى التوازن. والمغرب، تحت قيادة الملك محمد السادس، راكم هذا الرأسمال الرمزي بصبر استراتيجي، حتى أصبح يُستدعى عندما يبحث العالم عن حلول لا عن شعارات.
إن الانضمام إلى مجلس السلام ليس نهاية طريق، بل بداية مرحلة جديدة من المسؤولية الدولية. مسؤولية تتطلب الحفاظ على نفس الخط: وضوح في المبادئ، مرونة في الأدوات، ووفاء دائم لفكرة أن السياسة، في جوهرها، ليست إدارة صراع فقط، بل فن تحويله إلى أفق للعيش المشترك. وفي عالم يتكاثر فيه الضجيج وتقل فيه الحكمة، يبدو أن المغرب اختار أن يكون من القلة التي تشتغل بصوت منخفض… وبتأثير عال.