الصحافة الرياضية بين منطق الفرجة ومسؤولية القيم

المغرب يجعل من الرياضة رافعة للتنمية والإدماج والإشعاع الحضاري.

لم تعد الرياضة، في عالم اليوم، مجرد مجال للتنافس البدني أو لحظات عابرة من الفرح والحزن الجماعي، كما لم تعد الصحافة الرياضية مجرد مرآة تنقل النتائج والأرقام والانطباعات السريعة. لقد تحوّل هذا المجال، بفعل التحولات الاجتماعية والإعلامية المتسارعة، إلى فضاء مركزي لإنتاج المعنى وصناعة الرموز وبناء التمثلات الجماعية. من هذا المنطلق، يأتي تقديم "دليل الصحفي الرياضي: من أجل صحافة رياضية ملتزمة بحقوق الإنسان" بالرباط كحدث دال، يعكس وعيًا متقدمًا بأن الخطاب الرياضي لم يعد محايدًا، وأن تأثيره يتجاوز حدود الملاعب ليطال منظومة القيم داخل المجتمع.

اللقاء، الذي نظمته المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، لم يكن مناسبة بروتوكولية بقدر ما شكّل لحظة تفكير جماعي في مسؤولية الإعلام الرياضي، ففي كلمته، أكد المندوب الوزاري السيد محمد الحبيب بلكوش أن هذا الدليل يندرج ضمن الرؤية الاستراتيجية للمملكة التي تجعل من الرياضة رافعة للتنمية والإدماج والإشعاع الحضاري، مشددًا على أن نجاح هذا الرهان يظل رهينًا بإعلام مهني واعٍ، قادر على مواكبة التظاهرات الكبرى بخطاب يحترم الكرامة الإنسانية ويكرّس قيم التعايش.

الرهان الأساسي لهذا الدليل لا يكمن فقط في تقنين الممارسة الصحافية، بل في إعادة تعريف وظيفتها. فهو ينطلق من مسلّمة جوهرية مفادها أن الصحافي الرياضي ليس ناقلًا سلبيًا للحدث، بل فاعل ثقافي واجتماعي يتحمّل مسؤولية أخلاقية تجاه الرياضيين والجماهير والرأي العام. لذلك، جاء الدليل في صيغة مرجعية شاملة، تجمع بين الأبعاد القانونية والمهنية والأخلاقية والتواصلية والنفسية والرقمية، واضعًا الممارسة الصحافية في تماس مباشر مع مرجعيات حقوق الإنسان.

وتتضاعف أهمية هذا العمل في سياق وطني ودولي تتعاظم فيه مكانة الرياضة كأداة للتنمية والاندماج الاجتماعي والإشعاع الدولي. فالتظاهرات الرياضية الكبرى لم تعد مجرد مناسبات تنظيمية، بل لحظات اختبار لقدرة الدول على إدارة التعدد والاختلاف، وتحويل التنافس إلى تعايش، والفرجة إلى رسالة إنسانية. وفي هذا السياق، يصبح الإعلام الرياضي شريكًا أساسيًا في بناء الصورة أو تقويضها، بحسب مستوى وعيه والتزامه.

كما يلفت الدليل الانتباه إلى قضايا ظلت طويلًا في هامش التغطية الرياضية، من قبيل كرامة الرياضي، وأخلاقيات الصورة، وحقوق الجماهير، ومخاطر الإثارة الإعلامية، وتأثير الخطاب الرياضي على فئات الشباب والناشئة. وهو بذلك يدعو إلى الانتقال من منطق السبق والانفعال إلى منطق المسؤولية والالتزام، دون المساس بحرية التعبير أو الدينامية الطبيعية للعمل الإعلامي.

في العمق، لا يقدّم هذا الدليل وصفة جاهزة بقدر ما يفتح نقاشًا عميقًا حول مستقبل الصحافة الرياضية ودورها المجتمعي. فهو يضع المهنيين أمام سؤال جوهري: هل نريد إعلامًا يكتفي بمواكبة الحدث، أم صحافة تواكب التحولات وتتحمّل مسؤولية تأثيرها؟ وبين هذين الخيارين، يقترح الدليل مسارًا واضحًا: صحافة رياضية مهنية، واعية بدورها، ومنخرطة في ترسيخ حقوق الإنسان كجزء لا يتجزأ من أخلاقيات المهنة.

إن تقديم هذا الدليل يشكّل، في النهاية، خطوة نوعية في مسار تحديث الإعلام الرياضي بالمغرب، ورسالة قوية مفادها أن الرهان على الرياضة لا يكتمل دون رهان موازٍ على خطاب إعلامي مسؤول، قادر على الجمع بين المتعة والمعنى، وبين المنافسة والكرامة، وبين الفرجة والقيم.