هذه المرة القصة مختلفة
واضح أن النظام الإيراني يتابع بقلق بالغ مسار الأحداث الساخنة الجارية في البلاد مع دخول الاحتجاجات الغاضبة أسبوعها الثاني، دون أن تؤتي تهديداته، وقبل ذلك استخدامه للعنف المفرط في مواجهة الاحتجاجات، أي نتيجة يمكنها أن تفضي إلى تهدئتها على الأقل.
في الغالب، يحاول النظام إلى حد الآن أن يظهر أسلوب تعامله مع الاحتجاجات وفق القول العراقي الدارج "خد وعين"، أي اللين والشدة، رغم أن شدته هي الطاغية، وأن لينه لم تعد الحشود المتواجدة في الساحات والشوارع تكترث له.
وهذا بطبيعة الحال في غير صالحه، إذ أن مجرد استمرار الاحتجاجات وسيرها نحو أسبوعها الثالث، مع كونها تحظى بأكبر تغطية من جانب وسائل الإعلام العالمية، إلى جانب دعم وتأييد دولي غير مسبوق على الصعيدين الأمريكي والأوروبي، وحتى تحذيرات من قبل الأمم المتحدة على لسان أمينها العام للنظام من عدم استخدام العنف في مواجهة الاحتجاجات، يجعل موقف النظام هشاً.
ويمكن القول بثقة واطمئنان إن يد النظام قصيرة هذه المرة من حيث قدرتها على النيل من الاحتجاجات الجارية وجعلها على الرف إلى جانب الاحتجاجات السابقة ذلك لأن هناك عوامل تمنح المحتجين القوة والعزيمة المعنوية للاستمرار، في حين أن هناك أيضاً عوامل وأسباب تحد من قوة النظام وتأثيره عليهم. ولعل العامل الأكثر سلبية في هذا الصدد هو وجود إجماع إيراني (كشعب) وإقليمي ودولي على الترحيب بحدوث تغيير سلمي في إيران ينهي حقبة من أحداث وتطورات غريبة وغير مسبوقة في إيران والمنطقة.
ومع ملاحظة أن الكثير من المقالات والدراسات والبحوث التي تناولت أوضاع النظام الإيراني بعد الأحداث والتطورات منذ هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وحتى سقوط نظام بشار الأسد وانكسار حركة حماس وحزب الله اللبناني من حيث تراجع دوره وضعفه، فإن مواجهته لهذه الاحتجاجات قد أظهرت ضعفه بوضوح ولا سيما وأنه ولأول مرة يبادر إلى طلب الحوار مع المحتجين ويعلن "ولو على مضض" شرعية مطالبهم، لكن عدم استجابة المحتجين له، وعدم تمكنه من استخدام القوة لكبح جماح الاحتجاجات، قد جسدت ذلك الضعف بكل وضوح.
هذه المرة، لا تبدو سردية القصة تسير كما سارت في الاحتجاجات السابقة، مع ملاحظة مهمة جداً، وهي مشاعر الخوف والقلق من جانب النظام نفسه، وإن التحذيرات الصادرة عنه تؤكد ذلك. فعدم تمكنه حتى الآن من التأثير على المحتجين، وتمتع الاحتجاجات بتغطية دولية غير مسبوقة، إلى جانب وجود تهديدات دولية بعدم قتل المحتجين، يعني أن كرة النار هذه المرة لن تكون في أحضان المحتجين، وإنما في حضنه. ومن يدري، فقد يتكرر ما حدث في 11 شباط 1979، ويشهد العالم فصلاً جديداً في إيران.