ما جرى في سوريا ليس انتصاراً، بل إعادة إنتاج للهزيمة بأدوات مختلفة

الكرد لم يختاروا الحرب، ولم يسعوا إلى الهيمنة أو التوسع، بل وجدوا أنفسهم مرارًا في موقع الدفاع عن النفس وعن الوجود.

لا يمكن توصيف ما حدث على أنه نجاح للجولاني، لأن النجاح لا يُبنى على قتل الكرد، ولا يُصاغ بأيدي فصائل تحمل ذات العقلية الداعشية، حتى وإن بدّلت أسماءها أو أعلامها. الجريمة تبقى جريمة، مهما تغيّر الخطاب، ومهما أُلبست ثوب "التحرير" أو "المرحلة الانتقالية".

ولم يكن ما جرى نجاحًا للولايات المتحدة أيضًا، إذ أعادت إنتاج نمطها المألوف في التعامل مع الكرد: استخدامهم كقوة ميدانية عند الحاجة، ثم التخلي عنهم عند أول تقاطع مصالح إقليمية ودولية، وتركهم في مواجهة مصير مفتوح على كل الاحتمالات.

لقد دُفع ثمن هذا "النجاح المزعوم" من الأرض السورية، ومن الوجود الكردي تحديدًا، عبر تنازلات سياسية وجغرافية لا علاقة لها بإرادة الشعوب.

الكرد لم يختاروا الحرب، ولم يسعوا إلى الهيمنة أو التوسع، بل وجدوا أنفسهم مرارًا في موقع الدفاع عن النفس وعن الوجود. ومع ذلك، واجهوا قوى لا تؤمن بالإنسان ولا بالقانون، قوى تتحدث عن القيم في المؤتمرات، وتدوسها في الميدان بلا تردد. فعند لحظة المواجهة، تُعلَّق القوانين، وتُنسى المواثيق، وتُستدعى مبررات جاهزة لتسويغ القتل والإقصاء. وفي كل مرة، تتكرّر النتيجة ذاتها: الكرد وحدهم في الساحة.

لا حلفاء ثابتين، ولا منظمات دولية تفي بادعاءاتها في الدفاع عن القيم الإنسانية. الجميع يساوم على الحقوق الكردية مقابل مصالح آنية، وصفقات إقليمية، وحسابات أنظمة لا ترى في الكرد سوى ورقة قابلة للاستخدام ثم الإهمال.

الكرد يدركون هذه الحقيقة جيدًا، لكن ضيق الخيارات، واختلال موازين القوة، يدفعهم، وعلى مضض، إلى العودة إلى طاولات التفاهم مع القوى ذاتها التي خذلتهم، لا ثقةً بها، بل بحثًا عن الحد الأدنى: سلامة شعبهم ومنع الإبادة السياسية والجسدية.

أمام هذا الواقع، وأمام تكرار خذلان الحلفاء وغياب أي إطار دولي يحمي الحقوق الكردية، تبرز الحاجة إلى مقاربة سياسية مختلفة تتجاوز ردود الفعل الظرفية. وفي هذا السياق، لا يُطرح مفهوم الكونفدرالية بوصفه كيانًا سياديًا أو مشروع انفصال، بل بوصفه إطارًا سياسيًا قوميًّا تنسيقيًا عابرًا للحدود  (Transnational Functional Confederation)يهدف إلى توحيد الخطاب والموقف السياسي الكردي دوليًا، مع احترام الواقع القانوني القائم وسيادة الدول التي يتوزع فيها الكرد.

وحتى وإن كانت الأجزاء الثلاثة الأخرى لا تتمتع بوضع الإقليم، فإن كوردستان بأجزائها الأربعة تشكّل جغرافيا متصلة لا يفصلها سوى رسم حدود سياسية فرضتها اتفاقيات دولية، لا واقع اجتماعي أو تاريخي، وهو ما يجعل من التنسيق القومي المشترك ضرورة سياسية، لا ترفًا أيديولوجيًا.

وفي هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى أن أربيل شهدت في مراحل مختلفة لقاءات واجتماعات جمعت ممثلين عن الأطراف الكردية في الأجزاء الأربعة، غير أن هذه اللقاءات بقيت في إطار التشاور غير المؤسسي، من دون أن تتطور إلى مجلس قومي ذي نظام داخلي واضح، أو آليات عمل ثابتة، أو سياسة موحّدة، أو التزام دوري ملزم. وهو ما جعلها أقرب إلى محطات حوارية ظرفية منها إلى إطار مؤسسي قادر على إنتاج موقف كوردي جامع ومستدام.

اقتراح سياسي

إن استمرار التعامل مع القضية الكردية بوصفها ملفات منفصلة داخل دول مختلفة، هو أحد الأسباب الرئيسية لإضعافها وتهميشها دوليًا. وعليه، فإن المرحلة الراهنة تفرض على القوى والأحزاب الكردية في أجزائها الأربعة الانتقال من منطق التشتت إلى توحيد الخطاب والموقف السياسي.

إن المطلوب اليوم ليس إعلان دولة، ولا خوض مغامرات غير محسوبة، بل تأسيس إطار قومي تنسيقي عابر للحدود يقوم على:

1- توحيد الخطاب السياسي الكردي الموجّه إلى المجتمع الدولي.

2- إنشاء مجلس قومي كوردي أعلى للتنسيق في القضايا المصيرية.

3- اعتماد أربيل مركزًا سياسيًا جامعًا لهذا الإطار.

4- فصل المشروع القومي عن الصراعات الحزبية والانتخابية الضيقة.

إن هذا المسار لا يتعارض مع واقع الدول القائمة، لكنه يمنح الكرد صوتًا واحدًا، ويُنهي حالة الاستفراد بكل جزء على حدة.

فإما أن يُعاد تعريف الكرد كفاعل سياسي موحّد في المعادلات الإقليمية والدولية، أو يُترك مصيرهم مجددًا رهينة صفقات لا يكونون طرفًا فيها.