"يوم على جزيرة ايبستين" بالمصري

ايبستين المصري تجاوز مربع الإثارة المعروفة على مواقع التواصل الاجتماعي بمجرد أن وضع إعلانه على صفحة عامة. ودخل في مرحلة الاستقطاب من خلال الغرائز.

القاهرة- اهتم الكثير من المصريين بإعلان خاطف على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا، يقول "يوم على جزيرة ايبستين". ودعا الجمهور إلى حضور حفل موسيقي يقام في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة. زاد الاهتمام الجماهيري مع سرعة انتشار الإعلان وحصد تفاعل واسع من قبل رواد السوشيال ميديا معه. ودخول الشرطة على الخط بعد شكوى سيدة من صيغة إعلان أشار صراحة إلى دخول الفتيات مجانا.

لم ينته الجدل مع قيام الأجهزة الأمنية بتوقيف صاحب الإعلان والتحقيق معه، وهو متعهد حفلات. إذ بدأت الاجتهادات والتعليقات تتوالى، والتفسيرات تشمل مناحي عاطفية. فقد حاول متعهد الحفلات لفت الانتباه باستخدام فضيحة رجل الأعمال الأميركي جيفري ايبستين العالمية. والمشكلة أن الفضيحة تضمنت أعمالا لا أخلاقية بالمرة. من شذوذ وتجسس إلى ممارسات جنسية مع قاصرات. ولا تزال الأصداء مستمرة في الولايات المتحدة، ووصلت تداعياتها إلى دول عديدة.

أراد صاحب الإعلان الترويج لأحد الحفلات، لكنه وقع في شر أعماله، كما يقال في مصر. فالمضمون الذي سعى نحو ترويجه يتنافى مع قيم المجتمع. والتطورات التي جرى الكشف عنها أشارت إلى إمكانية ارتكاب أعمال منافية للأداب العامة. لا أحد يريد حدوثها في مصر. ويكفي استخدام اسم ايبستين لإثارة الغرائز وجلب الإيحاءات الجنسية. ومنح العقل فرصة للتفكير في أشياء تتعارض مع القيم المجتمعية.

ومعروف أن غالبية ما تم الكشف عنه من أحداث في هذه الأزمة يتعلق بالمجون والفجور والقيام بتصرفات منافية للآداب. ما يوحي أن ايبستين المصري يريد السير على خطى ايبستين الأميركي، وأن الحفل المنتظر حتما سيكون صاخبا.

منعت الأجهزة الأمنية إقامة الحفل يوم الثلاثاء. وحجبت الإعلان على مواقع التواصل. وأوقفت المسؤول عنه وتقوم بمساءلته جنائيا. وتبرأ منه صاحب الملهى الليلي. وأنكر من كان مقررا أن يحيي الحفل علاقته بالإعلان وصاحبه.

ووصلت صرخة السيدة الرافضة إلى جمهور كبير بمصر. لم يتخيل غالبيتهم أن يتفتق ذهن أحد المواطنين على فكرة جهنمية، ولو كانت من قبيل السخرية والدعاية الجذابة.

سوف ينسى الناس في مصر إعلان يوم على جزيرة ايبستين وأهدافه الغرائزية مع مضي الوقت. لكن لن يتم محو مضمونه العالمي. فكل شخص يحاول توظيف الوثائق بالطريقة التي تتناسب مع مصالحه. وكما أن هناك من يدينها ويرفضها ويلفظها، هناك من يبحث عن ثغرات من أجل تحقيق مكاسب مادية.

 وكشفت المعاني التي حملتها وثائق ايبستين الأميركي، الذي انتحر أو نُحر عام 2019، عن جوانب سرية وعلاقات محرمة ومصالح متداخلة، وعوالم خفية يجهلها كثيرون ممن يعيشون على ظهر على الكرة الأرضية.

يبدو ايبستين المصري أخطر من نظيره الأميركي، فالأخير كان يدير شبكة بطريقة ذكية، ويعرف ما يريده، ويعمل لحساب جهات معينة. في حين أن مقلده المصري ظهر وكأنه يمارس لعبة شيقة ويلهو مع شريحة رأى أنها ستتفاعل معه، وربما تشاركه الملهاة ذاتها. إلى أن فوجيء بإدانة واسعة، وما يمكن تداوله ومناقشته والإعلان عنه في الدول الغربية يصعب قبوله في مصر. وربما يتجاوز الأمر حد الإدانة المعنوية ويصطحب معه عقوبة مادية قاسية بعد انتهاء التحقيقات. فما قام به ايبستين المصري لمس وترا قيميا حساسا، ويلحق ضررا بما هو معلن من ثوابت مجتمعية.

أصبحت متابعة الإعلانات المشبوهة على مواقع التواصل من بين مهام عديدة تقوم بها الأجهزة الأمنية في مصر. ويتم التصدي لكل شخص يحاول الترويج لبضاعة معطوبة قبل أن يتحول المجتمع إلى "سداح مداح" أي فوضى وصعوبة في السيطرة عليها.

وكما أن الكثير من النيران قد تأتي من مستصغر الشرر، قد ترتكب جرائم بسبب إعلان يحمل نسقا شاذا من القناعات. وإن لم تتم المواجهة بصرامة سوف يتحول الفعل الفردي إلى عمل جماعي، ثم يصبح مع مرور الوقت أمرا واقعا.

أدت الإشارة إلى دخول الفتيات الحفل مجانا إلى تأويلات متشعبة. معظمها صب في سياق لا أخلاقي. وأن هناك تصرفات ما مرفوضة يمكن ارتكابها عند تنظيمه في داخل الملهى. ما جعل الشرطة تتحرك نحو تطويق الموقف، ومنع تحويل الرغبة في الفعل إلى فعل حقيقي وردع من تسول له نفسه الاستثمار في بعض الأحداث الأجنبية، واضفاء طابع محلي عليها ولو على سبيل التسلية والسخرية ولفت الأنظار.

وتقود في النهاية إلى نتائج قاتمة على مجتمع يواجه الكثير من العواصف اللا أخلاقية. يحتاج التصدي لها إلى مزيد من الإجراءات الصارمة، قبل أن تنتشر بين المصريين وتنخر في وجدانهم، ويتم التعامل معها باعتبارها جزءا من المنظومة الطبيعية.

يستحق درس ايبستين المصري الكثير من التأمل على غرار ايبستين الأميركي الذي كان يبحث عن دوائر مختلفة، في دوافعه وأهدافه والمتورطين معه، والغايات التي وصلت إليها شبكته وانتقلت إلى جميع أنحاء العالم.

ومهما كان الجانب الفطري في نوايا ايبستين المصري، فهو يتضمن مكونات كارثية. لأن صاحب الإعلان وسم كل فتاة ترتاد الملهى الليلي "بالفسوق"، وأن هناك تصرفات شاذة تحدث في القاهرة، لا يعلم عنها شيئا المصريون او يتعمدون تجاهلها. وهي من الاستنتاجات الخطيرة التي يمكن الوصول إليها بسهولة.

تجاوز ايبستين المصري مربع الإثارة المعروفة على مواقع التواصل الاجتماعي بمجرد أن وضع إعلانه على صفحة عامة. ودخل في مرحلة الاستقطاب من خلال الغرائز. ولعل استخدام اسم ايبستين في أي موضع يكفي لاستدعاء الرذيلة.

ومعظم الوثائق التي رفعت عنها الغطاء وزارة العدل الأميركية تحوي إشارات جنسية متباينة. ومع أنها تتطرق إلى قضايا أخرى، غير أن أشد ما يعلق في ذهن المتلقي هو البعد الجنسي بكل محتوياته المعروفة والمجهولة، الطبيعية والشاذة.

لن يستفيد صاحب الإعلان من انكار وجود قصدية جنسية، فالعبارة وحدها (يوم على جزيرة ايبستين) لا تحتاج إلى تفسيرات. وقد يفشل كل خبراء علم النفس في استخلاص أبعاد حسنة النيّة فيها. فالتوقيت بالغ الحساسية، حيث وصلت وثائق ايبستين الأميركي إلى ذروتها في الفضاء العام.

ويمكن الكشف عما جرى إخفاءه قريبا، فعملية التسويد التي تمت لعدد كبير من الوثائق تشير إلى محتويات أشد خطورة، بالنسبة لمضمونها الخفي والأشخاص المتورطين فيها. ما جعل ايبستين المصري محل تندر. وإذا ترك لبعض الوقت لا أحد يعلم حجم الإغراءات التي كان سيقدمها لاحقا لجذب المريدين.