حين يصبح السلام خيار دولة: دافوس تكشف الوزن الحقيقي للدبلوماسية المغربية

المغرب لم يكن يوماً فاعلاً ظرفياً في قضايا السلم، بل راكم عبر عقود نموذجاً خاصاً يقوم على الجمع بين الشرعية التاريخية، والواقعية السياسية، والاستثمار في الثقة الدولية.

في لحظة دولية دقيقة تتقاطع فيها الأزمات الجيوسياسية مع بحثٍ عالمي متجدد عن صيغ بديلة لصناعة السلام، جاء توقيع المغرب على الميثاق المؤسس لـ"مجلس السلام" بدافوس ليحمل دلالات تتجاوز الخبر في شكله البروتوكولي، وتفتح الباب أمام قراءة أعمق لموقع المملكة في هندسة النظام الدولي الناشئ.

بتعليمات سامية من العاهل المغربي الملك محمد السادس رئيس لجنة القدس، وقّع وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة على هذا الميثاق خلال حفل ترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعلى هامش المنتدى الاقتصادي العالمي. غير أن ما يستوقف المتابع ليس فقط التوقيت ولا المكان، بل المعنى السياسي والاستراتيجي لانخراط المغرب كعضو مؤسس في مبادرة دولية تسعى إلى إعادة تعريف مقاربات السلام وتسوية النزاعات.

من الدبلوماسية الهادئة إلى صناعة الأطر الدولية

لم يكن المغرب يوماً فاعلاً ظرفياً في قضايا السلم، بل راكم عبر عقود نموذجاً خاصاً يقوم على الجمع بين الشرعية التاريخية، والواقعية السياسية، والاستثمار في الثقة الدولية. من رئاسة لجنة القدس، إلى أدواره في إفريقيا، إلى حضوره المتوازن في ملفات الشرق الأوسط، ظل المغرب يشتغل بمنطق "الدولة الجسر" القادرة على التواصل مع أطراف متباينة دون الوقوع في الاستقطاب.

انضمام المملكة إلى "مجلس السلام" بوصفها عضوا مؤسساً يؤشر على انتقال نوعي: من الاكتفاء بالمشاركة في المبادرات الدولية، إلى المساهمة في صياغة أطر جديدة للعمل الجماعي من أجل السلام. فالمجلس، كما قُدم، لا يهدف فقط إلى إدارة النزاعات، بل إلى اقتراح مقاربة مختلفة تقوم على الوقاية، والتنمية، والحوار الاستراتيجي، بدل الاكتفاء بمنطق ردّ الفعل.

دافوس: حين تلتقي السياسة بالاقتصاد والأمن

اختيار دافوس للإعلان الرسمي عن المجلس ليس تفصيلا عابرا، فالمنتدى الاقتصادي العالمي تحول منذ سنوات إلى فضاء تتلاقى فيه رهانات الاقتصاد العالمي مع قضايا الأمن والاستقرار. وفي هذا السياق، فإن حضور نحو عشرين من قادة الدول والحكومات، من مناطق جيوسياسية متنوعة، يعكس إدراكاً متزايداً بأن السلام لم يعد مسألة أخلاقية أو إنسانية فقط، بل شرطاً بنيوياً للاستقرار الاقتصادي العالمي.

أن يكون المغرب، إلى جانب البحرين، أول من يوقع على الميثاق، فذلك يضع المملكة في موقع "الدولة المُبادِرة" لا "الدولة الملتحقة"، ويعزز صورتها كشريك موثوق في المشاريع الدولية الكبرى.

الاعتراف بالقيادة الملكية

الأهم في هذا المسار هو ما يحمله من اعتراف ضمني وصريح بالدور الشخصي للملك محمد السادس في ترسيخ مكانة المغرب كفاعل محوري في قضايا السلام. فالدعوة للانضمام إلى مجلس يضم نخبة محدودة من القادة الدوليين لم تأت من فراغ، بل هي ثمرة رؤية ملكية ثابتة تعتبر أن الاستقرار الإقليمي والدولي جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني.

هذا الاعتراف الدولي لا يترجم فقط مكانة رمزية، بل يفتح للمغرب فضاءً للتأثير في النقاشات الكبرى حول مستقبل النظام الدولي، وخاصة في ما يتعلق بالشرق الأوسط وإفريقيا، حيث تتقاطع المصالح والتحديات.

ما بعد التوقيع

التوقيع على الميثاق ليس نهاية المسار، بل بدايته. التحدي الحقيقي يكمن في قدرة "مجلس السلام" على التحول إلى منصة فعلية لإنتاج الحلول، لا مجرد إطار نخبوي آخر. وهنا، يمتلك المغرب رصيداً سياسياً وأخلاقياً يؤهله للعب دور محوري في توجيه بوصلة المجلس نحو مقاربات واقعية ومتوازنة.

في عالم يتجه نحو مزيد من اللايقين، يبدو أن المغرب اختار مرة أخرى أن يتموقع في صف "صناع الجسور لا بناة الجدران". وهو اختيار لا يعكس فقط دبلوماسية ناجحة، بل رؤية دولة تراهن على السلام كاستثمار طويل الأمد في مستقبل البشرية.