هايل علي المذابي: المسرح يصنع وعيا مناهضا للعنصرية
يعد هايل علي المذابي أحد الوجوه البارزة في المشهد الثقافي اليمني والعربي المعاصر؛ فهو باحث وناقد ومسرحي جمع بين الإبداع الأدبي والبحث الأكاديمي الرصين. ولد في صنعاء عام 1983، ويشغل حالياً منصب المدير العام لإدارة الأبحاث والدراسات بوزارة الثقافة اليمنية. وبفضل منجزه المتنوع، نال عضوية مجلس أمناء الهيئة العربية للمسرح وعضوية اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، محققاً حضوراً لافتاً في المحافل الدولية.
للمذابي سجل حافل من المؤلفات النقدية تتمثل في "مسرح شباب الربيع في اليمن (دراسة نقدية تطبيقية)"، "المصعد في نقد المسرح"، "المثاقفة بين العرب وأوروبا"، "مسرح الطفل عربياً"، "الفرجة الشعبية.. المقاومة الثقافية وصناعة الوعي في عصر الاستعمار"، نعيش كالأخوة أو نموت كالحمقى: دراسة حول دور المسرح والرواية والدراما في مناهضة التمييز العنصري "قيد الإصدار"، كما شارك ببحوثه مهرجانات دولية منها: مهرجان بجاية الدولي بالجزائر (2012 و2014)، والملتقى العربي لفنون الدمى بالشارقة، والمؤتمر الثالث للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية، ومهرجان المسرح العربي بالقاهرة (2019)، وصولاً إلى المؤتمر الخامس للعلوم الاجتماعية بالقاهرة (2021).
حول رحلته مع مسرح وتجلياتها كان هذا الحوار معه.
بداية يستعيد الباحث والناقد المسرحي اليمني هايل علي المذابي علاقته الأولى بالمسرح، يقول "عندما أتذكر البدايات الأولى مع المسرح، يلزمني أن أطرح على نفسي الأسئلة الستة التي يطرحها الصحفي على نفسه وهو يكتب الخبر: من؟ ماذا؟ لماذا؟ أين؟ متى؟ كيف؟ والإجابة لا أعرف شيئاً، والحب هو ألا أعرف شيئاً. نعم أنا أحب المسرح، ولعل هذا فيه الكفاية، رغم أن بداياتي مع المسرح انبثقت من أيام المدرسة والكتاتيب، فكنت حينها ممثلا، ثم تطورت تلك الأسباب لاحقا في شكل شغف بالبحث وشغف بقراءة كتب المسرح، في سن المراهقة، حتى وجدت نفسي أخيراً في سنوات الدراسة الجامعية أكتب المقالات النقدية والبحثية المسرحية، ثم أؤلف الكتب بعد ذلك، وهكذا شيئا فشيئا صار المسرح عشقا وهوىً وجزء من أجزاء يومي، بل لكأنه وجبة رابعة من وجبات اليوم، إفطار وغداء وعشاء ومسرح.
وحين احتفى مهرجان المسرح العربي في دورته السادسة عشرة، المنعقدة في القاهرة بين العاشر والسادس عشر من يناير 2026، بكتابه الجديد "الفرجة الشعبية: المقاومة الثقافية وصناعة الوعي في عصر الاستعمار"، فإن هذا الاحتفاء كان تتويجاً لمسار بحثي طويل. فقد بدأت نواة الكتاب كورقة بحثية قدم ملخصها عام 2016 إلى ملتقى فكري عربي حول فنون الدمى والعرائس وخيال الظل، بإشراف الدكتور عدنان سلوم، ونالت القبول من لجنة التحكيم، غير أن ظروفاً حالت دون انعقاد الملتقى. وفي عام 2017 أعاد تقديم ملخص البحث، مع بعض التعديلات، إلى المؤتمر الدولي الثالث للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية، من بين نحو خمسمائة بحث تقدمت للمشاركة، لم يُقبل منها سوى 118 بحثاً، وكان بحثه من بينها، ولم يكن يتجاوز آنذاك عشرين صفحة. وفي عام 2021 كلفته لجنة تحكيم الأبحاث في الهيئة العربية للمسرح، ممثلة بالبروفيسور يوسف عيدابي، بتحويل هذه الورقة إلى كتاب، فاستفاد من الإرشادات التي قدمت له، وكرس ستة أشهر كاملة من البحث والكتابة اليومية حتى أنجز العمل بصيغته النهائية، مؤكداً أن جائحة كورونا كانت السبب في تأخر صدوره عن موعده المفترض.
وفي كتابه الآخر "نعيش كالأخوة أو نموت كالحمقى: دور المسرح والرواية والدراما التلفزيونية في المقاومة الثقافية وصناعة الوعي المناهض للتمييز العنصري"، يخلص المذابي، بعد بحث وتقصٍ في الأدوار المفترضة للأعمال الأدبية والفنية عربياً وعالمياً، إلى وجود قصور واضح في الأداء الأدبي والفني العربي في مواجهة ظاهرة العنصرية. هذا القصور، برأيه، يمثل نكوصاً خطيراً قد يقود إلى احتقانات اجتماعية تفضي إلى تداعي المتغيرات البنيوية وإجهاض المشروع الحضاري الإنساني، بما يترتب على ذلك من آثار وخيمة زعزعت في السابق استقرار المجتمعات، وفاقمت سخط الفئات المهمشة والمستبعدة بسبب التمييز العنصري، وأشعلت حروباً أهلية مدمرة. ورغم أن مواجهة هذه الظاهرة عبر الأدب والفن قد تبدو فعلاً بسيطاً للبعض، إلا أن تأثيرها بالغ حين تركز على خلق وعي قادر على استيعاب التنوع والتعايش وفق القيم الإنسانية الثابتة. وقد قام في كتابه بحصر الأعمال الروائية والمسرحية وأعمال الدراما التلفزيونية التي تناولت التمييز العنصري عربياً وعالمياً بقدر المستطاع، ليستنتج أن الرواية العربية هي الأكثر نضجاً وتفاعلاً مع هذه القضية، تليها المسرحيات، ثم الدراما التلفزيونية التي يكاد حضورها يكون منعدماً في هذا المجال. ويرى أن هذه التراتبية تعكس أيضاً سهولة الإنتاج، فالرواية أسهل من حيث الصناعة، بينما يواجه المسرح تحديات تتعلق بالبنية التحتية، وتأتي الدراما التلفزيونية في المرتبة الأصعب من حيث الإنتاج والنشر.
ومن هذه النتائج يخلص إلى ضرورة سن قوانين حقيقية لمناهضة العنصرية وتجريم التمييز، تضمن حماية الفئات الضعيفة، وتكافؤ الفرص في التعليم والعمل والاستشفاء، وتفرض عقوبات رادعة، مع تقديم دعم نفسي للضحايا، لأن فتح الأبواب نظرياً أمام الجماعات المهمشة دون حماية قانونية فعلية يظل بلا جدوى. كما يشدد على أهمية المعرفة وتقليص الفجوة المعرفية بين الثقافات، محذراً من الاستسلام للصور النمطية، ومشيراً إلى توصيات الأمم المتحدة بضرورة التعرف على ثقافات الآخرين وإنتاجهم وقصص نضالهم، وهو الدور الذي ينهض به الأدباء والفنانون. ويؤكد كذلك على التركيز على الجيل الجديد، إذ إن العمل مع الأطفال على ترسيخ مفاهيم الاختلاف والتسامح هو الحل الأمثل لكسر حلقة العنصرية الموروثة، مستشهداً بمقولة شائعة في علم الاجتماع وعلم النفس مفادها أنه لا يكفي ألا نعلم أبناءنا العنصرية، بل يجب أن نعلمهم مناهضتها. إلى جانب ذلك يولي أهمية لمراقبة الذات، باعتبار أن مناهضة العنصرية لا تتحقق إلا بتصحيح الأفراد لأفكارهم وممارساتهم، ورفض الدعابات العنصرية، ومساندة ضحايا التمييز.
وفي حديثه عن مسرح الطفل العربي، يرى أن أهم مقومات النص المسرحي الموجه للطفل تكمن في القيمة الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية، مؤكداً أن الترفيه والخيال والإبهار لا تكفي وحدها للحكم على جودة العمل إذا خلا من القيم. أما عن مسؤولية نجاح العرض المسرحي الموجه للأطفال، فينطلق من تصور فلسفي يعتبر أن الكون قائم على نظام تكاملي لا يكتمل إلا بتفاعل عناصره، مستعرضاً مرحلتي التقليد في تاريخ البشرية، من محاكاة الإنسان للحيوان إلى محاكاة الإنسان لنفسه في التكنولوجيا الحديثة، ليخلص إلى أن المسرح، للكبار أو للصغار، يقوم على تكامل المؤلف والمخرج والممثل وسائر فريق العمل، بوصفه تجسيداً لناموس كوني أزلي.
ويرفض المذابي القول بأن الساحة العربية تفتقر إلى أعمال مسرحية للطفل، مؤكداً وفرة هذه الأعمال، إلى جانب وجود موروث ثقافي غني وجاهز للتحويل إلى مادة مسرحية ثمينة، تحتاج فقط إلى من يحسن استثمارها. ويرى أن المسرح يؤدي دوره تجاه الطفل العربي إلى حد ما، رغم ما يشوبه من نكوص، مشيداً بجهود الهيئة العربية للمسرح، ودعم ورعاية الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لمسرح الطفل، سواء عبر إدراج المسرح ضمن المناهج التعليمية أو نشر المسرح المدرسي.
وفيما يتعلق بتقديم المفاهيم السياسية لطفل الروضة، يؤكد أن الطفل يتعلم في سنواته الأولى عبر التجريد أكثر من المباشرة، ويمكن للمسرح أن يوظف الرموز والتمثيل الذهني للأفكار، فالبرتقالة قد تتحول إلى رمز لفلسطين، كما الزيتون والزعتر، معتبراً أن الرهان يجب أن يكون على التجريد لا الخطاب المباشر. أما عن هيمنة الدراما التلفزيونية، فيرى أن الأمر لا يتعلق بطغيان بقدر ما هو تناوب في الأدوار، فلكل من المسرح والسينما والدراما جمهورها، والأعمال الجيدة وحدها هي التي تفرض حضورها.
ويعتقد أن وجود المسرح في أي بلد مؤشر على استقراره وانتظام شؤونه، رابطاً بين توفر الخبز ووجود المسرح، ومشيراً إلى أن غيابه يدل على معاناة الناس في تحصيل قوت يومهم، وأن استعادة دوره التنويري مرهونة باستقامة أحوال المجتمع. وللمهتمين بمسرح وأدب الطفل يوجه رسالة مقتضبة مفادها أن العمل الفني قيمة في ذاته، وبدون هذه القيمة يفقد معناه سواء كان موجهاً للكبار أو للأطفال.
وعن المشهد الثقافي العام في اليمن، يصفه بأنه يعيش حالة سبات عميق بفعل الحروب والصراعات، مع الإشارة إلى وجود جهود فردية وجماعية تستحق الاحتفاء وستذكرها الذاكرة التاريخية. أما المؤسسات الثقافية والفنية، فيرى أن استمرارها مرهون بالدعم الخارجي في ظل غياب الدعم الداخلي، ما يجعلها عرضة للاتهامات، ولذلك يراهن أكثر على الأفراد المثقفين الصامدين. وفي ما يخص مشاريعه المستقبلية، يؤكد أن العام القادم سيشهد صدور عدد من أعماله، إلى جانب مشاريع أخرى عازم على كتابتها.