الـ'كان' بالمغرب نسخة استثنائية تعبد طريق نجاح مونديال 2030
الرباط - في مشهد رياضي مكتمل العناصر، أسدل الستار على بطولة كأس الأمم الإفريقية 2025 بالمغرب، في نسخة ستبقى راسخة في ذاكرة كرة القدم الإفريقية بوصفها محطة فارقة تنظيماً وفنياً، ورسالة واضحة عن قدرة المملكة على إدارة أكبر التظاهرات الرياضية وفق أعلى المعايير الدولية.
لم تكن هذه البطولة مجرد منافسة كروية، بل تحولت إلى حدث قاري شامل، جمع بين الجودة التنظيمية والتوهج الفني، والنجاح التجاري غير المسبوق، في سياق يؤكد أن المغرب يمضي بخطى ثابتة وواثقة نحو ترسيخ مكانته كقوة رياضية وتنظيمية صاعدة، وأن تنظيم كأس أمم إفريقيا لم يكن سوى بروفة ناجحة ومتكاملة لكأس العالم 2030.
للمرة الثانية في تاريخه بعد نسخة 1988، استضاف المغرب النسخة الخامسة والثلاثين من البطولة القارية خلال الفترة الممتدة بين 21 ديسمبر/كانون الأول 2025 و18 يناير/كانون الثاني 2026، بمشاركة 24 منتخباً، وعلى امتداد ست مدن وتسعة ملاعب، في سابقة تعكس اتساع الرقعة التنظيمية وقدرة البلاد على إدارة حدث معقد ومتعدد المواقع.
ومنذ الإعلان عن فوز المغرب بشرف التنظيم، انطلقت ورش كبرى شملت تحديث الملاعب، وتطوير شبكات الطرق والسكك الحديدية، وتحسين المرافق الصحية والفندقية، في إطار رؤية شمولية تجاوزت حدود البطولة ذاتها، لتخدم أهدافاً تنموية واقتصادية وسياحية بعيدة المدى.
وتوج هذا الجهد الكبير بإشادة رسمية من أعلى هيئة كروية في القارة، إذ أكد الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (كاف) أن نسخة المغرب هي الأفضل في تاريخ كأس الأمم الإفريقية، سواء من حيث جودة التنظيم أو مستوى البنى التحتية أو الجوانب اللوجستية المرتبطة بالنقل والإقامة والملاعب.
ولم يخف رئيس الـ'كاف' باتريس موتسيبي، إعجابه بما تحقق، مشدداً في مؤتمر صحفي بالرباط على أن البطولة شكلت نموذجاً يُحتذى به، ومعبّرا عن شكره للمغرب على توفير ظروف مثالية مكّنت من إخراج الحدث في أبهى صورة، ومؤكداً في الوقت ذاته أن الاستثمار في البنى التحتية بات شرطاً أساسياً لتطوير كرة القدم الإفريقية.
وعلى الصعيد الاقتصادي والتجاري، حققت البطولة أرقاماً غير مسبوقة، بعدما أعلن الـ'كاف' ارتفاع إيراداته بنسبة تفوق 90 بالمئة مقارنة بالنسخة السابقة، لتصبح أنجح قصة تجارية في تاريخ كرة القدم الإفريقية. وهذا النجاح ارتبط بتوسع قاعدة الشركاء التجاريين، وارتفاع عدد الرعاة إلى 23 راعيا، مقابل 9 فقط في نسخة الكاميرون 2021، إضافة إلى التوسع الكبير في توزيع حقوق البث التلفزيوني ودخول أسواق جديدة، خاصة في الشرق الأقصى، مثل الصين واليابان، مع الحفاظ على الحضور القوي في الأسواق التقليدية. وهي مؤشرات تعكس ثقة المستثمرين والرعاة في القدرة التنظيمية للمغرب، وفي القيمة التسويقية المتزايدة لكرة القدم الإفريقية عندما تُدار باحتراف.
ولم تكن جودة التنظيم محصورة في الأرقام والتقارير الرسمية، بل انعكست أيضاً في انطباعات المتابعين والخبراء. واعتبر الباحث المغربي في المجال الرياضي رشيد الفكراوي أن البطولة قُدّمت "من الطراز الرفيع"، سواء من حيث الاستعدادات أو البنية التحتية أو حتى التعامل الحضاري للمواطنين مع الوفود والجماهير.
ورأى أن ما أنجزه المغرب يضاهي دولاً لها باع طويل في تنظيم التظاهرات العالمية. من جهته، أكد الإعلامي السنغالي عمر طلال أن المملكة نجحت نجاحاً باهراً تنظيمياً ورياضياً، مشيداً بسهولة التنقل، وجودة الفنادق، وتكامل الخدمات، وداعياً الدول الإفريقية الأخرى إلى استلهام النموذج المغربي، في ظل تحول الرياضة إلى صناعة حقيقية ومحرك اقتصادي مؤثر.
وفنياً، حملت نسخة المغرب ملامح استثنائية لا تقل إشراقاً عن جانبها التنظيمي، فقد أعادت الاعتبار للمدرب الإفريقي والمحلي، مع وصول منتخبات المغرب ونيجيريا ومصر والسنغال إلى نصف النهائي تحت قيادة مدربين من أبناء القارة أو من نفس البلدان، في إنجاز لم تشهده البطولة منذ ستة عقود. كما تحولت المنافسات إلى مهرجان أهداف، بعدما سجلت المنتخبات 127 هدفاً، وهو أعلى رقم في تاريخ كأس الأمم الإفريقية، متجاوزة الرقم القياسي السابق المسجل في نسخة مصر 2019، بما يعكس النزعة الهجومية والجودة الفنية والثقة المتنامية لدى منتخبات القارة السمراء.
وعلى مستوى الأرقام الفردية، واصل نجوم القارة كتابة التاريخ، حيث أصبح الدولي المصري محمد صلاح أول لاعب يسجل في شباك 11 منتخباً مختلفاً في تاريخ البطولة، متفوقاً على أسماء أسطورية مثل صامويل إيتو وديدييه دروغبا وأندريه أيو، في تأكيد إضافي على القيمة الفنية العالية التي ميزت هذه النسخة.
كل هذه النجاحات لا يمكن فصلها عن الرؤية الملكية الشاملة التي يقودها الملك محمد السادس، والتي جعلت من الرياضة رافعة استراتيجية للتنمية، وأداة لتعزيز الحضور الدولي للمغرب، فالمشاريع الرياضية الكبرى والاستثمار في البنية التحتية، وربط الرياضة بالاقتصاد والسياحة، ليست خطوات معزولة، بل جزء من تحولات عميقة تشهدها المملكة في مختلف القطاعات.
وفي هذا السياق، يأتي تنظيم كأس أمم إفريقيا 2025 كتتويج لمسار طويل، وكإشارة قوية إلى جاهزية المغرب لاحتضان كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، بثقة تستند إلى تجربة ميدانية ناجحة لا لبس فيها.
وقد أكد الاتحاد الافريقي لكرة القدم أن اختيار المغرب لاستضافة البطولة جاء نتيجة سجله الحافل في تنظيم الأحداث الكبرى، من بطولة أمم إفريقيا للمحليين 2018، إلى كأس أمم إفريقيا للسيدات 2022، وصولاً إلى كأس العالم للأندية 2023.
ومع نسخة 2025، بات واضحاً أن المغرب لا يكتفي بالنجاح التنظيمي، بل يصنع قصة متكاملة، تذهب أبعد من كرة القدم، لتعكس بلداً يعرف كيف يحول الرؤية إلى إنجاز، والطموح إلى واقع، ويؤكد أن الرياضة، حين تُدار بعقل استراتيجي، تصبح مرآة لتحولات أوسع، ودليلاً على قدرة دولة على التموقع بثبات في قلب الأحداث العالمية.