بين أبي العلاء وعمر الخيّام
عقلان كبيران وشاعران ممتازان، مثّل أحدهما العقلية السامية كأحسن ما يكون التمثيل وهو المعري (363هـ/449هـ)، ومثّل الآخر العقلية الآرية أعظم تمثيل وهو الشاعر الفارسي عمر الخيام (439هـ/517هـ).
اشتهر أبوالعلاء، الذي كان يَعُدّ المتنبي مثله الأعلى وشاعره الأثير المقدم، بلزومياته التي ضمّنها فلسفته في الحياة وأفكاره حول الدين والأخلاق والاجتماع وصاغها في قالب شعري فريد بلزوم ما لا يلزم إثباتا، لتبحره في اللغة فلا تعجزه قافية ولا يلجمه لفظ مراد. واشتهر الخيام برباعياته التي خبا ذكرها أول الأمر حتى قيضت لها الأقدار في العصور المتأخرة شاعرا إنكليزيا معجبا بها متحمسا لها، فترجمها إلى الإنكليزية هو إدوارد فتزجرالد، ومن ترجمته تلك نقلت إلى سائر اللغات الأوروبية، مكتسحة حقل القراءة وحاصدة الإعجاب والتقدير، حتى تأسس في لندن نادي الخيام للمعجبين بشعره.
والأمر كما يقول العلامة التركي رضا توفيق بك "إن هذا الفوز الذي كتب لرباعيات الخيام منبعث عن فهم الخيام لمعنى الحياة وفق عقيدة المدنية الحاضرة وذوقها"، ونقل عن الشاعر الفرنسي تيوفيل غوتييه "إن رباعيات الخيام تحتوي جميع مقاطع هاملت قطعة قطعة"، وحين كان العلامة إرنست رينان يقارن بين شعر عمر الخيام وشاعر أوروبي كتب عنه "وليس له قوة الخيام ولا تهكمه ومزاجه المر وهو الذي لم يُشاهد في عصر من العصور شاعر إباحي مثله".
ولا شك أن الذي يقرأ شعر المعري، خصوصا في اللزوميات كما يقرأ الرباعيات للخيام، يقف على التشابه الكبير بين الشاعرين، وإن كان الخيام متأخرا عن المعري. إلا أن أبا العلاء كانت شهرته قد طبقت الآفاق بالرغم مما ناله من أذى ومن تكفير وتبديع وتفسيق من لدن الفقهاء تارة ومن لدن العامة تارة أخرى تأثرا بهم، وقد انتقدهم المعري أشنع انتقاد، والذي لاشك فيه أن الخيام قد قرأ شعر أبي العلاء وأعجب به أيما إعجاب وتأثر به، لقد كان المعري مفكرا وناقدا ونابشا لبطون الألفاظ، مستخرجا حظها من المعنى، وناقدا للعادات والأعراف، وامتدت حيرته إلى المعاني الكبرى للوجود وللدين ذاته (الألوهية، الملائكة، الجنة، النار، الموت، المعاد، اللحد، الزمان، المكان، النبوة، وسائل الإدراك، قصور المعرفة، انتفاء العلم المطلق....).
ولئن كان المعري مؤمنا بالله كما تدل على ذلك قصيدته "غير مجد في ملتي واعتقادي" والتي هي رثاء للإنسانية جمعاء، إلا أنه في شعره مثل حيرة المفكر، وتيه العالم الحصيف، وشكوك الباحث المتسائل المتلهف على الحقيقة، ولأن خاتمة الأمر هي الفناء المحتوم وما أوتي الإنسان من وسائل إدراك محدودة جدا لا تقف به على حقيقة الوجود ولا كنه الموت ولغزه، وما جاء في النصوص الدينية نقلته لغة هي ألفاظ وتراكيب لغوية تزيد اللبيب حيرة، وهو يقارب مضمونها ويحاول الوقوف عل معانيها، ولو أوتي وسائل إدراك أخرى لوقف على حقائق أخرى للوجود.
لقد كان المعري متشائما تشاؤم العقل والإرادة معا؛ فمتع الحياة باطلة وإلى زوال، ولا مخرج من هذه الورطة الوجودية إلا بالزهد في طيباتها لأنها مجرد فخ يقود الإنسان إلى حتفه، فزهد في اللحم وفي الزواج والنسل ولزم بيته، وظل العقل حائرا والإرادة متشائمة محجمة عن الخوض فيما يخوض فيه الناس عادة.
بينما كان الخيام، الذي قرأ المعري وتأثر به، مختلفا عنه. ولو أن له حيرته، فالعمر قصير ولا يعلم المرء كثيرا ووسائل الإدراك محدودة. ولو أن الإنسان يحمل في طويته جرثومة الحيرة وجمر السؤال ونار الشك والبلبال، إنه يعلم أن كل شيء محدود، ولكنه ما ينفك يحتار ويتساءل ويتهلف، ويضنيه قلق السؤال وشح الجواب، فالعقل متشائم كذلك، ولكن الإرادة عند الخيام مبتهجة مسرورة مقبلة على الحياة، فما دام العمر قصيرا والمعرفة التامة التي تريح الإنسان مستحيلة، فليغنم المرء لحظات الصفاء وليقبل على مباهج الحياة وليغتنم الفرصة بين العدمين، فالخيام ليس منكرا ولا متدينا.
لقد تأمل في الحياة فوجد كائناتها في تركيب وانحلال، فذرات المرء حين موته تتحلل وتتركب منها كائنات أخرى وأشياء أخرى، كذلك فليس من الممكن إعادتها إلى الأصل والموت بالمرصاد ولحظات العمر قصيرة، فليغنم المرء ساعات الصفاء بالإقبال على الخمرة، وهي كما نص وليام جيمس تشل في المرء الديدان الماصة للحيوية، وتتيح التركيز والاندغام بنشوتها في الوجود، ففي الخمرة شيء من القابليات الصوفية إذ يندغم بها المرء في الوجود فتغدو الذات والموضوع واحدا.
إنها لحظات نشوة وبهجة تريح من قلق التساؤل وعذاب الحيرة والتفكير في المصير. يمكن تلخيص هذا الاتجاه باللاأدرية في قضايا الوجود والموت الحياة والأبيقورية في منزع الاتجاه نحو اللذات واعتبارها مستحقة قبل الفناء الحتمي.
يختلف المعري عن الخيام في قضية الخمرة. فعلى الرغم من القلق الذي عاشه المعري والعذاب الذي كابده حتى تمنى لو أن الخمرة كانت حلالا ليخفف بها من وطأة الحياة:
تمنيت أن الخمر حُلّت لنشـــــوة
تجهلني كيف اطمأنت بي الحال
عاد ليستدرك ذلك في قصيدة أخرى، فحتى لو كانت الخمر حلالا ما شربها لأنها تذهب العقل، وهو يريد لعقله الصحو:
أيأتي نبي يجعل الخمر طلقـــــــــة
فتحمل ثقلا من همومي وأحزانــــي؟
وهيهات لو حلت لما كنت شاربـــــا
مخففة في الحِلم كفة ميزانـــــــــــي
غير أنهما اتفقا في نقد رجال الدين واتهامهم بالرياء والحرص على المكاسب الدنيوية واتخاذ الدين مطية لتحقيق المآرب، بالضحك على ذقون العامة والتقرب من الملوك والسلاطين، وتبرير مفاسدهم، كما اتفقا على الحمل على العامة متهمين إياهم بالجهل والتقليد والتكالب على متع الغرائز وتصديق كل ناعب وناعق.
إن من يقرأ الرباعيات، تتوارد على ذهنه أبيات بعينها لأبي العلاء المعري في قصيدة "غير مجد في ملتي واعتقادي" وفي كثير من أشعاره في اللزوميات ولا يعدو ذلك أن يكون من قبل التناص أو توارد الخواطر أو التأثر بأفكار رهين المحبسين ومن أمثلة ذلك قول الخيام في إحدى رباعياته، ونحن نعتمد هنا على ترجمة الشاعر العراقي الكبير أحمد الصافي النجفي الذي عربها عن الفارسية رأسا:
يقول الخيام:
من تحرى حقيقة الدهر أضحى
عنده السرور والحزن ســــواء
إن يكن حادث الزمـــان سيفنى
فليكن كله أسى أو هنـــــــــــاء
بينما يقول المعري في قصيدته الشهيرة:
غير مجد في ملتي واعتقادي
نوح باك ولا ترنم شـــــــــاد
وشبيه صوت النعي إذا قيــــ
س بصوت البشير في كل ناد
ويقول الخيام كذلك منددا بالاجتماع البشري وعواقبه الوخيمة:
اختر لدهرك قلة الرفقــــــــــــاء
واصحب بنيه وأنت عنهم نــــاء
فمن اعتمدت عليه إن تنظره في
عين البصيرة أعظم الأعــــــداء
وفي نفس السياق قال المعري من قبل:
وقد يخطئ الإنسان ظن عشيره
وإن راق منه منظــــر ورواء
وزهدني في الخلق معرفتي بم
لعملي بأن العالمين هبــــــــاء
وأما انتقاد رجال الدين، ففي اللزوميات الكثير من النقد والتهكم والتشنيع، مبرزا عيوبهم كالرياء والأنانية والحرص والترديد الببغاوي للكلام التالد:
رويد قد غررت وأنت حــــــــر
بصاحب حيلة يعظ النســـــــاء
يحرم فيكم الصهباء صبحـــــا
ويشربها على عمد مســـــــاء
يقول لكم غدوت بلا كســـــــاء
وفي لذاتها رهن الكســــــــاء
هاهو الخيام يقول في نفس السياق:
قال شيخ لمومس أنت سكرى
كل آن بصاحب لك وجــــــد
قالت إني حقا كما قلـــــــــت
لكن أنت حقا كما للناس تبدو؟
أما الموت، الذي لا يهاب أحدا ويُفني الفقير والغني والوضيع والشريف والصعلوك والأمير، والذي يأتي ليسدل الستار على حياة خاتمتها البطلان والعدمية، فالمعري عبر عن هذا التضاد في جوهرها أحسن تعبير:
رب لحد قد صار لحدا مرارا
ضاحك من تزاحم الأضــداد
ودفين على بقـــــــــــايا دفين
في طويل الأزمان والآبــــــاد
يقول الخيام في نفس السياق:
مررت بمعمل الخزاف يوما
وكان يجد في العمل الخطير
ويصنع للجرار عرى ثراها
يد الشخاذ أو رأس الأمير
والبلاغية في هذا البيت تتعلق بلفظة "عرى" فمنتهى الوضيع والأمير أن تكون ذراتهما عروة التي منها تحمل الجرة!
ولم يكن للفقه كما مارسه الفقهاء تقدير عند المعري وعمر الخيام، فهم حراس سياج دوغمائي، ومرددو أقوال غابرة ترديدا ببغاويا، لا يبالي بالخصوصية والفرادة الإنسانية، غير التقليد والإمعية، والطقسية التكرارية، والفقهاء هم أنفسهم من رموا المعري بالمروق والزندقة والإلحاد ولذا كثيرا ما سخر منهم على شاكلة قوله:
أجـــــــــــــــــــــــــــــاز الشافعي فعال شيء
وقال أبو حنيفة لا يجــــــــــــــــــــــــوز
فضلّ الشيب والشبان منـــــــــــــــــــــا
وما اهتدت الفتاة ولا العجوز
يقول الخيام في نفس السياق، منددا بالفقهاء في تحاملهم على رجال الفكر ومزدريا إياهم:
إن كنت تفقه يا هذا الفقيه فلم
تلحو فلاسفة دانوا بأفكـــــــــــــــــــــــــــــــــــار
هم يبحثون عن الباري وصنعته
وأنت تبحث عن حيض وأقـــــــــــــــذار
وفي ثبات الكون وتعاقب الأجيال فناء وميلادا يقول المعري:
وكم رأت الفراقد والثريــــــــــــــــــــــــــــــــا
قبائل ثم أضحت في ثراهـــــــــــــا
تقضى الناس جيلا بعد جيل
وخلفت النجوم كما تراهـــــــــــــــا
يقول الخيام كذلك في نفس المعنى:
سنفنى وهذا الكون سوف يدوم
وتذهب أسماء لنا ورســــــــــــــــــــــــــــــــــــــوم
كما لم نكن والكون كان منظـــــــما
سنفنى ويبقى بعد وهو نظيـــــــــــم
ولا شك أن المعري والخيام كلاهما قد أدركا نقص المعرفة في هذه النقطة، فالنجوم ليست ثابتة ومواقعها متغيرة، بل من النجوم ما اندثر وزال ومات، كما أن الكون لن يبقى منظما، بل سوف يدركه الفناء الحتمي كما هو مقرر في العلوم الحديثة، ولكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة.
وفي الاجتماع البشري وتفاوت حظوظ الناس على نسق ظالم، فأهل الخلق والرفعة حظهم النكد، وأهل الضعة والخساسة حظهم الوفرة، يقول المعري في هذا المعنى:
أولو الفضل في أوطانهم غرباء
تشذ وتنأى عنهم القربــــــــــــــــــــــــــــــــاء
فمـــــــا سبأوا الراح الكميت للذة
ولا كان منهم للخراد سبـــــــــــــــــاء
يعبر الخيام كذلك عن هذا المعنى بمرارة ظاهرة من المعاني المتمثلة في هذين البيتين:
أيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا فلكا يربي كل نذل
وليس يدور حسب رضا الكريم
كفى بك شيمة أن رحت تهوي
بذي شرف وتسمو باللئيــــــــــــــــــــــــــم
وقد شغلت الروح فيلسوف العمرة وكنهها ومعادها كما شغله الموت وعالمه والقبر وأسراره ويبدو أن ما جاء في النصوص الدينية لم يمنعه من التساؤل والحيرة وقلق المعرفة والرغبة في اليقين وراحته:
أرواحنا معنا وليس لنا بهـــــــــــــــــا
علم، فكيف إذا حوتها الأقبر؟
يقول كذلك عن الموت وعالمه متسائلا عن حقيقته:
ونومي موت قريب النشور
وموتي نوم طويل الكـــــــــــــرى
فهل قام من جدث ميت
فيخبر عن مسمع أو مرى؟
يقول الخيام مبديا نفس الحيرة طارحا نفس الأسئلة بلا جواب:
سر الحياة لو أنه يبدو لنــــــــــــا
لبدا لنا سر الممات المبهم
لم تعلمنّ وأنت حي سرها
فغدا إذا مت فماذا تعلم؟
أما العلم، فكلما ازداد المرء معرفة بعد عن الناس وازداد سؤاله وتعاظمت حيرته، بينما يتعالم الأقزام ويرددون أقوالا ترديدا ببغاويا زاعمين أنها العلم وتنخدع بهم العامة فتصدقهم وتكذب أولي النهى وتزدريهم، ولهذا فالحل يكون في التجاهل والتقية أو حتى ادعاء الجهل، هاهو المعري يقول:
ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا
تجاهلت حتى قيل إني جاهــــــــــــــــــــــــل
فواعجبا كم يدعي الفضل ناقص
ووا أسفا كم يظهر النقص فاضـــــــل
يؤكد الخيام على المعنى كذلك في مثل قوله:
كن حمارا في معشر جهــــــــــــــــلاء
أيقنوا أنهم أولو العرفـــــــــــــــــــــــــان
فهم يحسبون للجهل من ليـــ
س حمارا خلــوا من الإيمــــــان
هذه إلماعة سريعة لأوجه الشبه بين شاعر فارس عمر الخيام النيسابوري وشاعر العرب وفيلسوفها ابن معرة النعمان المعري وكلاهما مارسا التفكير الحر بلا قيود محطمين آصار الخوف من مقاربة الممنوع واللامفكر فيه متجاوزين حدود التقليد والعادة الذميمة التي تقزم الإنسان وتدفعه إلى السير في المواكب هربا من عذابات الفرادة والإنية والأصالة الفردية، وغني عن البيان أن الإبداع ذاته هو تمرد وخروج عن المألوف وتعلقا بالحرية والأنا دفعا لسيطرة الأنا الجمعي الذي يعني الموت لما يطلقه من أحكام سطحية ساذجة غالبا حول التزام الناس بمعايير السلوك الأخلاقي وأعراف وتقاليد المجتمع ونفي كل مفكر حر وأصيل خارج الأسوار وإطلاق صفات قبيحة عليه كإجراء قمعي رادع ليدرك الناس أن عواقب الخروج عن الجماعة وأعرافها وتقاليدها ونمط تفكيرها مصيره مؤلم قاس موحش.