عودة الكيمياء السياسية بين ترامب والسيسي

بعيدا عن رؤية الرئيس الأميركي لنفسه وتقديره لخطواته وأهدافه، يمكن القول إن الكيمياء أسهمت بدور معتبر في التفاهم بينه وبين الرئيس المصري مرة ثانية.

تلعب ما تسمى بالكيمياء بين البشر دورا في توطيد العلاقات بينهم. ويجري تداول عبارة الكيمياء السياسية بين الزعماء كثيرا. فعندما تكون جيدة وجاذبة وإيجابية تؤدي لتطوير العلاقات بين دولهم. وإذا كانت قاتمة ومنفرة وسلبية تقود لسوء فهم بين القادة.

ومع أن التقدم أو التراجع في العلاقات السياسية يخضع لعملية تقييم دقيقة تأخذ في حسانها المصالح والمكاسب والخسائر المترتبة في حالتي السطوع والخفوت، إلا أن الكيمياء قد تسهم بدور في تحديد البوصلة، وتختار أي اتجاه تسير فيه العلاقات.

تبدو هذه المعطيات مقدمة مناسبة لتفسير ما رأيناها على هامش المؤتمر العالمي الذي عقد في دافوس بسويسرا قبل أيام، حيث التقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره المصري عبدالفتاح السيسي، وجرت على لسان الأول كلمات إطراء للثاني. يشير فحواها إلى أن ترامب الذي لا أحد يتوقع تصرفاته أعاد الدفء إلى صديقه الجنرال المصري، بعد فترة من الفتور منذ عودته إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية.

وكانت ولايته الأولى 2016- 2020 نموذجية في العلاقات بين واشنطن والقاهرة، وشهدت خلالها العلاقات بينهما تطورات كبيرة، وكان التفاهم لافتا بين ترامب والسيسي، على عكس بداية الفترة الثانية، التي جاءت في خضم الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ودعم الإدارة الأميركية، السابقة والحالية، لكثير من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية، وبدا دعم واشنطن مستفزا لمصر وضد مصالحها.

طوى ترامب جانبا من ملامح الخصومة المستترة مع السيسي منذ حضور الأول مؤتمر السلام في شرم الشيخ المصرية في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. وطوى جزءا ثانيا عندما طرح الرئيس الأميركي مبادرة لحل أزمة سد النهضة بين إثيوبيا ومصر. وطوى جزءا ثالثا بتصميمه على إحداث اختراق في هذا الملف خلال احتماعه مع الرئيس المصري على هامش مؤتمر دافوس، يوم الأربعاء 21 يناير/كانون الثاني، وما صاحبه من عبارات كشفت عن احترام يكنه ترامب للسيسي.

بعيدا عن رؤية الرئيس الأميركي لنفسه (الرئيس المُخلص) وتقديره لخطواته وأهدافه، يمكن القول إن الكيمياء أسهمت بدور معتبر في التفاهم بينه وبين الرئيس المصري مرة ثانية. إذ يميل ترامب إلى القادة/الجنرالات، والسيسي كان جنرالا كبيرا في الجيش المصري. ويدعم من يحافظون على مصالح بلدانهم ويبعدون عن الانخراط مباشرة في التوترات والصراعات، والرئيس السيسي نجا بمصر من مأزق حاد مرت به عقب ثورة 30 يونيو/حزيران 2013.

والسيسي، كجنرال صارم وحاسم في كثير من توجهاته، لا يفتقر إلى الدهاء وابداء مرونة في التعامل مع التطورات الإقليمية العاصفة، كما حدث في الحرب على غزة، وفي السودان، ومع إثيوبيا، والبحر الأحمر. ولم يسع إلى ادخال بلاده في صدام مباشر أو يتحدى علنا الإدارة الأميركية التي تبنت نهجا يؤثر على المصالح المصرية.

 ظهرت تجليات ذلك في إنحياز ترامب إلى جانب إسرائيل، وتأييده مشروع هجرة سكان قطاع غزة، وهو ما تصدت له مصر وفوتت الفرصة بأدواتها السياسية. وفي الضربات العسكرية المكثفة التي شنتها واشنطن على جماعة الحوثي في اليمن، وما جلبته من خسائر مادية لقناة السويس. الأمر الذي تعاملت معه مصر بحنكة. فلا هي انضمت للتحالف الأميركي- البريطاني أو وافقت علنا على تهديدات الحوثي لإسرائيل.

تحلت القاهرة بالصبر الإستراتيجي إلى أن تمكنت من تغيير بعض القناعات الأميركية، اعتمادا على اتصالات مباشرة مع واشنطن، ومستشاري ترامب الذين نقلوا إليه المخاوف المصرية، والنتائج الخطيرة التي ستنجم عن تنفيذ مشروع التهجير قسريا أم طوعيا، والهواجس التي سوف يجلبها عدم الاستقرار في البحر الأحمر نتيجة تبني رؤية إسرائيل للتمدد في جنوبه.

يجد الرئيس ترامب ارتياحا في التعامل مع من يسعون للتفاهم معه، وعلى طريقته في عقد الصفقات السياسية والاقتصادية، وحتى الأمنية، فهي جزء من أي تحركات في أي مضمار يسير فيه. واستوعب الرئيس السيسي عقلية ترامب ومفردات خطابه، ونجح في التأقلم معه دون تقديم تنازلات. فلم تغير القاهرة موقفها في أي من الصراعات الإقليمية، ولم تستجب للقيام باستدارة نحو النظام الجديد في سوريا، الذي وجد دعما أميركيا. وتجنب السيسي الدخول في أي نزاع مع ترامب واكتفى بالإعلان عن موقفه بوضوح، في إشارات ضمنية تحمل رفضا صريحا.

يعلم الرئيس الأميركي أن موقع مصر في قلب الشرق الأوسط يصعب تجاهله، وإن لم ينجح في الضغط على نظامها وإجباره على التجاوب مع طموحاته عليه اللجوء إلى طريق يعتمد على الحوار، ومراعاة مصالح كل طرف، كمسار يمكن أن يفضي إلى تقريب المسافات بينهما، فالمعرفة السابقة بين ترامب والسيسي التي امتدحها الأول وأشاد بها خلال لقاء دافوس تشير إلى أن الكيمياء بينهما مستمرة، ولم تفقد مفعولها بحكم الخلافات والتطورات المتسارعة في المنطقة، أو تتراجع كثيرا بسبب التباين في التقديرات الحاكمة لبعض القضايا الإقليمية.

اختار ترامب أحد الملفات إثارة في مصر وهو ملف سد النهضة ليكون مدخلا للتعبير عن تفاهمه مع السيسي خلال الفترة المقبلة، لأن ملف غزة محاط بكثير من الغموض ولم تتوقف تداعياته، ودور مصر يحظى بمباركة أميركية ومتشابك مع قوى أخرى.

واختيار سد النهضة له سببان في أجندة ترامب. الأول: أنه يلامس قضية مركزية في مصر لم تحل بالتفاوض مع إثيوبيا، ومبادرة ترامب يمكن أن تتسبب في تسيوتها سياسيا وتعيد الاعتبار لجانب مهم من الحقوق المصرية. والثاني: أن الرئيس الأميركي يريد أن يضع يده على أحد أهم القضايا حيوية في العالم. فالمياه قد تتسبب في حروب مستقبلا، ويتم التجهيز لبيعها، ولا تريد واشنطن أن تكون بعيدة عن هذا المنحى.

من المتوقع أن تتحول المياه إلى ملف جذاب على الساحة الدولية، وفي قلب التطورات السياسية التي تتقاطع مع الصين، إذ تقوم بكين ببناء أحد أكبر السدود في هضبة التبت، وما يؤدي إليه من تأثيرات على كل من الهند وبنغلاديش كدولتي مصب لأحد الأنهار العملاقة. في تكرار لنموذج إثيوبيا، من حيث الزعم بأن دول المنابع لها الحق في بناء السدود بلا تنسيق وتفاهم واتفاق مع دول المصب. وهو ما يريد ترامب منعه من خلال تدخله في سد النهضة ومنح مصر حقا للحفاظ على حصة مناسبة من المياه.

من هنا ربما تقوم الكيمياء السياسية بين ترامب والسيسي بدور مهم في تخطي بعض الصعوبات الإقليمية والدولية. كما أن الصين طورت علاقاتها مع مصر وإثيوبيا، وأصبحت رقما مهما في المعادلة الأفريقية على حساب المصالح الأميركية.