أي حكومة مصرية منتظرة
زادت التكهنات في مصر حول شكل الحكومة المنتظر الإعلان عنها قريبا بعد الانتهاء من انتخابات مجلس النواب وبدء البرلمان دورته أخيرا، فالدستور المصري يشترط تشكيل حكومة جديدة بعد كل مجلس يتم انتخابه من المواطنين.
وذهبت التكهنات إلى ضرورة تغيير رئيس الحكومة الحالي مصطفى مدبولي، واستبدال نحو 80 في المئة من الوزراء، بينما ذهبت أخرى إلى استمراره لثقة الرئيس عبدالفتاح السيسي فيه، وليتمكن من استكمال برنامج بدأ تطبيقه منذ تشكيل حكومته الأولى قبل سبعة أعوام.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن تغيير رئيس الحكومة ليست هي المشكلة الحقيقية في مصر، لأن تقاليد النظام الحاكم تمنح رئيس الدولة صلاحيات كبيرة، وتجعل أي رئيس حكومة خاضعا لتصورات الرئيس والهامش الذي يمنحه له.
وسواء تغير مصطفى مدبولي أم بقي في موقعه على رأس الحكومة سنوات أخرى، فلن يلمس المصريون تغييرا من دون رؤية تعديل ملحوظ في السياسات والتوجهات. وحتى الآن لا توجد معلومات أو أدلة تؤكد حدوث ذلك في المدى المنظور.
ويستند هذا المحدد على الآلية التي جرى بها اختيار أعضاء مجلس النواب الجديد من قبل بعض الأحزاب. وغالبية من دخلوا المجلس، وهو الغرفة الأولى للبرلمان، تم اختيارهم من شريحة اقتصادية واجتماعية وسياسية تميل نحو استمرار الأوضاع في مصر على ما هي عليه وعدم الاستعداد للقيام بتحولات كبيرة في بنية الحكومة، فالحالة التي استقرت عليها الحكومات السابقة منذ ثورة يونيو/حزيران 2013 تدعم التوجه نحو التغيير البطيء أو التدريجي، والابتعاد عن سياسة الصدمات. ومن راهنوا على خروج مدبولي من الحكومة قد يكون تغييرا في الشكل، فمن سيخلفه لن يتمكن من تبني توجهات تمثل مفاجأة للمواطنين.
وجاء تشكيل اللجان الفرعية في مجلس النواب قبل أيام ليعزز النوع النمطي في الاختيار، وعدم الرغبة في تجديد الدماء بصورة واسعة. وكان لافتا أن غالبية رؤساء اللجان، مثل الخارجية والصحة والتعليم والزراعة والطاقة، وغيرهم.. هم وزراء سابقون في هذه التخصصات، ولم يثبت معظمهم كرامات أو تركوا بصمة إيجابية تخول للمصريين التفاؤل بدور واعد داخل في البرلمان.
وعكست هذا الخطوة طريقة التفكير في أروقة الحكم، فإذا كان البرلمان المنوط به وضع التشريعات والقوانين في الدولة لم يجرؤ على إحداث تغيير ملموس في تركيبته، فرئيس الحكومة وطاقمه الوزاري المنتظر لن يكونا أفضل حالا. وعلى ذلك فالتكهنات التي راهنت على طفرة في التركيبة الوزارية الجديدة خانها الحظ، لأنها لم تحسن قراءة التفكير المصري في آلية الاختيار، التي لم تتمكن حتى الآن من مبارحة مكانها الذي تعمل به منذ حوالي 12 عاما، ويقوم على عدم الرغبة في تجربة وجوه جديدة أو محاولة الاعتماد على أشخاص من خارج الصندوق.
وتستخدم هذه العبارة (خارج الصندوق) كدليل على تبني سياسة محافظة، وعدم الإنحياز لدخول أشخاص جدد منظومة الحكم دون اختبارهم في مناصب سابقا، أو يثبتوا ولاء مطلقا. ويوحي ترديد هذه العبارة دائما على التمسك بوضع الثبات في تولي المناصب والدوران في حلقة واحدة.
وأكدت تشكيلة البرلمان الجديد أن الهندسة الوراثية- السياسية تلعب دورا مهما في دولاب الحكم في مصر. فهناك عدد كبير من أعضاء مجلس النواب هم أبناء أعضاء سابقون أو خرجوا من رحم الصندوق نفسه، الذي تضع فيه بعض أجهزة الدولة كل من تريد توزيره أو ادخاله البرلمان او اسناد مهمة رسمية له. فالتربية السياسية الجديدة في مصر أصبحت منظمة ولم تترك للعشوائية مجالا أو للتطفل من جانب من مارسوا العمل السياسي في الشارع مجالا للدخول. وهو ما يطلق عليه الآن "الشخصيات المعلبة" و"الأحزاب الكرتونية"، في إشارة دالة على عدم التجديد، ورفض توسيع دائر الاختيار في مسألة تولي أي منصب كبير.
ولا يشغل منصب رئيس الحكومة في مصر بال كثير من المصريين، لأنه محكوم برؤية رئيس الدولة، التي تحصر مهمته في الجزء التنفيذي، وكلما أتقن تنفيذ التعليمات الواردة إليه من أعلى، أصبح محل ثقة وموضع تقدير، وضمن استمراره فترة طويلة في منصبه.
وينطبق هذا التوصيف على رئيس الحكومة الحالية مصطفى مدبولي، فهو أكثر رؤساء الحكومات استمرارا في موقعه منذ ثورة يناير/كانون الثاني 2011، وهي إشارة على عمق الثقة فيه والرضاء عليه، وعلامة على قدرته الكبيرة على تلقي التوجيهات وفهمها وتنفيذها بالآلية التي جعلته يحظى بثقة الرئيس السيسي.
لن تكون أي حكومة منتظر الإعلان عنها خلال الأيام المقبلة أفضل من سابقاتها في نظر فئة كبيرة من المصريين، فالطريقة الوحيدة التي يمكن أن تجعلها مقبولة ومؤتمنة وتحظى بتفاعل معها، أن تحدث تحولا حقيقيا في الأوضاع الاقتصادية، تنعكس نتائجها سريعا على المواطنين. وهي نتيجة يصعب توقع حدوثها، فالأزمة الاقتصادية المستحكمة تجعل الخيارات ضيقة أمام أي شخص يتولى رئاسة الحكومة، أو أي وزير يمكن أن يتولى وزارة بعينها. المقياس الوحيد الذي يحرك المياه الراكدة هو الانتعاش الاقتصادي وشعور المصريين بأن هناك تحسنا ملموسا في وضعهم المعيشي.
ولم تعد السياسة بمفهومها الشامل تشغل بال هؤلاء، ولم يعد المنخرطون فيها من أحزاب وأشخاص قادرون على اقناع الحكومة أو الضغط عليها لتبديل الطريق الذي تسير فيه وهو باهظ ومكلف في مردوداته، ومن المهم إحداث تعديل في المسار العام.
وكشفت انتخابات مجلس النواب عن حالة من العزوف عن ممارسة السياسة، فالمشاركة المحدودة من قبل المواطنين كفيلة بالتعرف على عدم الثقة في الحالة السياسية، وعدم التأكد من جدية المرشحين والأحزاب التي ترعاها، وعدم التعويل على الحكومة المتوقع أن يمنحها البرلمان الجديد الثقة قريبا.
سيحظى أي رئيس حكومة يختاره الرئيس عبدالفتاح السيسي بموافقة البرلمان بأغلبية مريحة، لأن جُل الأعضاء من المؤيدين له، ولا توجد معارضة حقيقية في الشارع أو مجلس النواب، ووجود نفر من الشخصيات التي تزعم أنها على يسار نظام الحكم لن يؤدي إلى حدوث تأثير في اختيار رئيس الحكومة، سلبا أو إيجابا. فالموافقة المحسومة مسبقا لا تخول حرية انتقاء من يتولى هذا المنصب، ولا تمنح مساحة للحركة خارج الصندوق المُعد سلفا، والمحكوم بجملة من العوامل الصارمة التي لا تمكن أي جهة من معارضة من يقع عليه الاختيار.
لن يكون رئيس الحكومة المنتظر في مصر خارج التوقعات أو بعيدا عن الميكانيزمات المعتادة عند الاختيار، ما يعني صعوبة حدوث تطورات تفضي إلى تحولات على الأرض. ربما يدخل الحكومة أشخاص جدد، لكن بلا انتظار تغيير واضح في السياسات التي خبرها المصريون خلال السنوات الماضية.